عبدالعزيز المزراق

  

في رحاب عاشوراء

ــــــــــ 

 

مع الحسين في بداية كل سنة هجرية

بحقٍ محرم وعاشوراء الحسين إحياء للدعوة الإسلامية من جديد، فحيث إن الهدف من خروج الحسين(ع) هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولطلب الإصلاح في أمة جده(ص) كما صرّح بذلك(ع) تكون هذه الأيام دعوة للإسلام، كما يستفاد ذلك من قول الإمام الحسن(ع) عندما قال:(( اعتبروا أيّها الناس بما وعظ الله به أولياءه... وقال: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر( فبدأ الله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أُديت وأُقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها، ووضعها في حقه...))([1][1]).

فلابد أن نرفع الحسين(ع) داعية للإسلام ولأيام جده المصطفى(ص)، فكما تلقى(ص) المصاعب في نشر دين الله الحنيف كذلك تحمّل الحسين(ع) المصائب في الحفاظ على هذا الدين المجيد.

ويجدر بمحبي أبي عبد الله الحسين(ع) أن يتخذوا محرماً موسماً لإحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتخذوا الإمام الحسين(ع) قدوة لهم في ذلك، فلقد ضحى بنفسه من أجل هذا، وقدم الغالي والنفيس في سبيله سبحانه وتعالى، ومن أجل إعلاء كلمته عزّوجلّ.

وأكرم بمن نبّه الأمة الإسلامية لهذا الأمر ووضعه على ساحة العمل.. حفظه الله بعينه التي لا تنام وجعل النصر والتّأييد حليفه.. اللهم انصر من نصره واخذل من خذله.

وأنعم بمن استجاب له من علماء الإسلام وعامة المؤمنين الكرام ولبّوا دعوته وجعلوا محرماً موسماً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لرفع الفساد والمحافظة على نواميس العباد.

***

أعظم المصائب

عن رسول الله(ص) أنّه قال في مرض موته:((أيّها الناس، أيّما عبدٍ من أُمتي أُصيب بمصيبةٍ من بعدي فليتعزَّ بمصيبته  بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحداً من أُمتي لن يصاب بعدي أشدّ عليه من مصيبتي))([2][2]).

يوم الحسين أعظم مصيبة

وذلك لأن الإمام الحسين(ع) تجسيد لرسول الله(ص)، فعن عبد الله بن الفضيل الهاشمي قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): يا بن رسول الله كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغمٍّ وحزن وبكاء، دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله(ص)، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة، واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين، واليوم الذي قتل فيه الحسن بالسّمّ؟.

فقال:((إنّ يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام، وذلك أنّ أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله عزّوجلّ كانوا خمسة، فلما مضى عنهم النبي، بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(ع) فكان فيهم للناس عزاء وسلوة، فلما مضت فاطمة(ع) كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين(ع) للناس عزاء وسلوة، فلما مضى منهم أمير المؤمنين كان للناس في الحسن والحسين(ع) للناس عزاء وسلوة، فلما مضى الحسن(ع) كان للناس في الحسين عزاء وسلوة.

فلما قتل الحسين لم يكُن بقي من أصحاب الكساء أحدٌ للناس فيه بعده عزاءً وسلوة، فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة))([3][3]).

***

وا حسيناه

 

قال الصادق(ع): نظر النبي(ص) إلى الحسين بن علي(ع) وهو مقبل فأجلسه في حجره، وقال: (( إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً)).

ثم قال(ع): ((بأبي قتيل كل عبرة)).

قيل: وما قتيل كل عبرة يا بن رسول الله؟!

قال: ((لا يذكره مؤمن إلاّ بكى([4][4]))).


 

الحرارة في قلوب المؤمنين لهذا الموجود الفريد الذي ضحى بنفسه في حادثة لا تزال مليئة بالمفاهيم العالية والملهمة للإنسانية الفكر والحضارة الحقيقية ومعنى السعادة التي يطلبها كل إنسان معنى التحرر والعبودية والعزة والذل والشجاعة والجبن، هذه المفاهيم التي لما يفتض الكثير الكثير منها.

من المقرر في حضارتنا الإسلامية أن كل فعل له تأثير على كل الكون سواء كان طاعة أو معصية، فقد ورد في ذلك الكثير، من ذلك أن أهل النار يرفع عنهم العذاب فجأة فيسألون الخزنة عما حدث؟

فتجيب الملائكة بأنه مرّ على المقبرة أحد المؤمنين فرفع العذاب إكراماً له.

ومن ذلك أن الناس يحبس عنهم المطر إذا منعوا الزكاة، ويكثر فيهم موت الفجأة إن كثر الزنا، ويولى عليهم الفجار إن هم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

رب فعل تفعله في شرق الأرض يؤثر على من هو في غربـها سواء كان طاعة أو معصية.

ما هو السر في هذا الكون الذي يجعل القلوب تحترق لـمصاب الحسين بن علي(ع) بحيث تتفاعل كل القلوب المؤمنة لمصاب سيد الشهداء كما تتفاعل العناصر الأولية في المختبرات التي قد تولد بعض الانفجارات وأحياناً بعض المخترعات؟!

أ في الكون سر للتفاعل لم يدركه العلماء بعد يحدث في قلوب المؤمنين لمقتل سيد الشهداء؟!

الأيام سوف تكشف عن ذلك.

يرتحل الرسول الأعظم(ص) بعدما أرسى قواعد الدين وفروعه وتـمر على المسلمين حوادث مليئة بالأسى والحزن على ما وصلت إليه من الانقلاب على الأعقاب وظهور الأحزاب والخوارج ويحارب الإمام علي معاوية ابن أبي سفيان ويستشهد وليد الكعبة في المسجد بعدما ضرب بالسيف المسموم على رأسه في محرابه بيد أشقى الآخرين ابن ملجم بمؤامرة حاكها معاوية وأتباعه، وتنتقل خلافة المسلمين إلى الإمام السبط الحسن بن علي(ع) وما فترت رغبة معاوية في السلطة وبعد تخاذل المسلمين يبرم الصلح مع معاوية على شروط منها أن تنتقل الخلافة إلى الإمام الحسن وإن لم يكن حياً فللإمام الحسين بن علي(ع) بعد موت معاوية، وما إن عقد الصلح حتى صعد المنبر وأخذ معاهدة الصلح وقال: كل ما عاهدت عليه الحسن هو تحت قدمي، وما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم.

يهلك معاوية بعد أخذ البيعة من حاشيته لابنه يزيد بالخلافة وبعد سننه المبتدعة في الإسلام وأهمها سب علي بن طالب أول القوم إسلاماً وصحابي الرسول ومن تفرد بأخوته من بين جميع المسلمين في خطبتي صلاة الجمعة في حين أن سب علي هو سب للنبي روى أبو عبدالله الجدلي قال : دخلت على أم سلمـة فقالت: أ يسب رسول الله صلى الله عليه وآلـه فيكم ؟ فقلت : معاذ اللـه أو سبحان اللـه أو كلمة نحوها فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلـه يقـول: من سب علياً فقد سبني .

وقد سرت هذه البدعة إلى زمن خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز الذي رفع السب عن علي ابن أبي طالب واستبدله بختم الخطبة بقوله تعالى:) إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ([5][5])(.

الحسين يأتيه رسول الوليد أمير المدينة ليلاً ويذهب الحسين(ع) هو وأبو الفضل العباس وسبعة عشر رجل إلى الأمير ليلاً، ويقول الحسين لصحبته قفوا عند الباب فإن علا صوتي فاهجموا وخلصوني.

يدخل الحسين(ع) فيقول له الأمير هذا خطاب يزيد ينعى معاوية، فيقول الإمام الحسين سلام الله عليه: (إنا لله وإنا إليه راجعون).

ويكمل الوليد رسالة يزيد ويقول: إنه يأمره أن يأخذ له البيعة من أهل المدينة عامة ومن الحسين خاصة.

فيجيب سلام الله عليه: غداً يكون أمرنا في الناس، فنصبح وتصبحون وننظر وتنظرون.

فيقول مروان بن الحكم: أمسك الرجل واحبسه فإن فاتك لا تقدر عليه فإن بايع وإلاّ فاضرب عنقه.

وهنا يسطر لنا الإمام كلمات هي رسالة ووثيقة حضارية للفكر الإسلامي الأصيل لا يوجد مثلها في مواثيقنا الإسلامية إذ يقول:(( ليس لك هذا ولا لأميرك، فنحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ويزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمور وقاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله، وعلى الإسلام السلام إذ قد بلي براع مثل يزيد)).

فيقول مروان مر جلادك أن يضرب عنقه.

عندئذٍ علا صوت الحسين فيهجم أبو الفضل العباس هو والسبعة عشر رجل ويخلصون الحسين.

هذه الرسالة للأمة بأسرها بل للإنسانية جمعاء، لأن الإمام(ع) لم يقل: وأنا لا أبايع يزيد. بل قال ومثلي لا يبايع مثله. بعد ما طرح نفسه بأنه من أهل بيت النبوة وموضع الرسالة وطرح يزيد كمصداق للفسق والفجور المضاد للطهارة والنزاهة، فبيت النبوة لا يمكن أن يسير على خط الفسق والفجور فلذا قال الإمام الحسين(ع): ومثلي لا يبايع مثله.

وهذه الوثيقة الحضارية تعطي قانوناً ذا ثلاثة أبعاد بعد في الماضي وبعد في الحاضر وبعد في المستقبل.

فإن الحق وأهله لا يبايع ويسير تحت الفسق وأهله، فإن الأنبياء لم يبايعوا الكفرة والمشركين وكذلك الإمام علي لم يبايع معاوية وكذلك الإمام الحسن لم يبايع معاوية وهو سلام الله عليه لم يكن بدعاً من بينهم فهو سيد شباب أهل الجنة وهو إمام قام أو قعد، فلا يمكن لـمثله أن يبايع لمثل يزيد في سنة الله وفي الحضارة الإسلامية الحقة.

وهكذا هي السنة والحضارة الإسلامية الحقة لابد أن تسير على هذا القانون في المستقبل فمن هو مثل الحسين لا يمكن أن يبايع من هو مثل يزيد إلى يوم القيامة.

***

خدمة أبي عبد الله(ع)

خدمة أبي عبد الله الحسين(ع) من أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى، ولها مظاهر وميادين كثيرة وأهمها ترويج الدين فأبو عبدالله الحسين(ع) إنّما خرج لطلب الإصلاح في أُمة جده وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرح بذلك (صلوات الله وسلامه عليه) وأبرز خدمة لسيّد الشهداء هي إحياء ذكراه بالتعريف بحقيقة نهضته لأنّ في ذلك إحياءٌ للدين والإمام الحسين إنّما استشهد لأجل إعلاء كلمة الله والذود عن ساحة الدين الحنيف الذي به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهنا تكمن وظيفة الخطيب الحسيني.

المنبر الحسيني

المنبر الحسيني مدرسة ومشعل نورٍ وهداية يضيء الدروب والقلوب أمام مريدي الفضيلة والحقيقة، وجزى الله الخطباء الحسينيين خير الجزاء، فلقد ساهم كلّ حسب قدرته واستطاعته في نشر المعرفة والتربية الإسلامية مستضيئين بنور الحسين(ع)، ولا غرو عندما نرفع الحسين ومنبره مدرسةً للعطاء، فإن هذا ليس مجرد شعار يرفع بل هو حقيقة محسوسة، فلقد استفاد من هذه المدرسة الكثير على مرّ التاريخ وفي مجالات جداً متعددة علمية وتربوية وروحية ومادية، إذ الحسين ومنبره الهادر كالتيار كل يأخذ منه بحسب قدرته وطاقته، لأن عطاء الحسين لا يستطيع أحد أن يأخذه بأسره لقصور في القابل، فمن يستطيع أن يصل إلى مرتبة الحسين وعلمه وأخلاقه وسجاياه الحميدة وأدبه مع ربه وعرفانه به، فالمعلم والمربي يستطيع أن يأخذ بغيته من عطاء الحسين، والعرفاني يستطيع أن يجد ضالته في عطاء الحسين، و... و...، فلقد طأطأ التاريخ للحسين ورفعه معلماً مربياً وقائداً مجاهداً وإماماً خطيباً وعارفاً محباً لربه عاشقاً لقربه، ولكن لا يستطيع أحد أن يأخذ كل العطاء لعدم السعة الوجودية لذلك.

يوم عاشوراء عطلة رسمية

ينبغي لمحبي أبي عبد الله أن تكون حالته في يوم عاشوراء حالة حزن وأسى لمصاب أبي عبد الله الحسين(ع) ويكون ذلك اليوم يوم حزنه وهمه، وأن يعطل كل أعماله وأشغاله، امتثالاً لأمرهم(ع)، فعن الإمام الرضا(ع)  قال:((من ترك السّعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعل الله عزّوجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر فيه لمنزله شيئاً لم يبارك له فيما ادّخر، وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد (لعنهم الله) إلى أسفل درك من النار))([6][6]).

وظيفة الخطيب الحسيني

وفي وضع كهذا تكون الناس فيه معطلة أعمالها وأشغالها، وكل أفكارها وشعورها مشغولة بالحسين تكون الأجواء مهيأة للخطيب فينبغي له أن يعرّف الناس بحقيقة نهضة الحسين(ع) وإنه إنما ضحى بنفسه لأجل إحياء الدين وإصلاح أمة جده المصطفى(ص)، لا لأجل أن نبكي عليه؛ وإن كان للبكاء على سيد الشهداء(ع) ثواب كبير جداً فعن الإمام زين العابدين(ع) أنه كان يقول:(( أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتّى تسيل على خدّيه بوّأه الله بها غرفاً يسكنها أحقاباً))([7][7]) وعن الصادق(ع)((من أنشد في الحسين بيتاً من الشعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة))([8][8])

وكان طريقه الذي  سلكه لإحياء الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعلى الخطيب أن يربط الناس بالله ويساهم في نشر الوعي الديني، ولا يجعل المنبر لخدمة أغراضه الشخصية مهما كانت، وفي هذا المجال يحدد لنا الإمام زين العابدين(ع) وظيفة الخطيب وما ينبغي أن يكون عليه قال(ع):((أ تأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضاً ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب))([9][9]).

فما فيه رضى الله وأجر وثواب وصلاح للناس هو الميزان والقانون الذي يجب أن يتبعه الخطيب، وفي تحديده(ع) المنبر بأنه أعواد إشارة إلى أن المنبر إن لم يكن في خدمة الحق لا يعدو أن يكون أعواداً، وذلك لأنه قال هذه العبارات الشريفة بعدما سمع ذلك الخطيب الذي أمره يزيد أن يخطب فعندما صعد ذلك الخطيب المنبر وتكلم بغير الحق، وصف الإمام السجاد(ع) مثل هذا المنبر بأنه أعواد، فعلى الخطيب أن يتجنب غير الحق وأن يحذر من نقل ما فيه كذب على الدين وإن كان ذلك بحسب تصوره لأجل الدين، لأن الكذب كذب مهما كانت الغاية منه ولم يجوز الإسلام الكذب لمثل هذا الغرض.

وعلى الخطيب أن يبتعد عن المغالاة وإن يتحقق مما ينقله فليس كل منقول بصحيح حتى وإن كان من الكتب المعتبرة إذ لم يقل أحد بصحة جميع ما في الكتب الأربعة، فما بالك لو استند الخطيب إلى رواية من الكتب غير المعتبرة فالمصيبة أدهى وأمرّ؟!

ولا شك أن في نقل ما فيه كذب على الأئمة فيه إساءة لهم حتى وإن كان هذا النقل لصالحهم، فلا يتبع ما يقال: (أنا لم أكذب عليه وإنما كذبت له) فإنه أثر عنهم(ع) أنهم قد لعنوا من غالى فيهم وكذب عليهم حتى لو كان بهذا النحو.

*** 

التحريف وأنواعه

بسم الله الرحمن الرحيم

"فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به". المائدة 13

إنّ للثورة الحسينية روحاً لا يمكن أن تمحى مهما ابتعدت عرض نقلات الحادثة وهذه الروح هي:"روح الإباء و الجهاد روح الوقوف في وجه الظالمين روح التضحية من أجل الدين".

وهذه الروح محفوظة عند الجميع ولا يستطيع أي ناقل أن يحرفها عن هذا الإتجاه حتى ذلك الناقل الذي لا يعي من الحادثة إلاّ أن الإمام الحسين واعده أهل الكوفة بالنصر فخذلوه فهو يبكي الحسين لأنه ذلك المظلوم الذي لا حول له ولا قوة.

نفث السموم

إنّ وللأسف الشديد قد تعرضت حادثة كربلاء للتحريف ألف مرة ومرة أثناء عرضها ونقل وقائعها، من حيث مقدمات الحادثة ومتن الحادثة والحواشي المتعلقة بها لفظياً في الشكل والظاهر، كما تناول التحريف تفسير الحادثة ونحليلها معنوياً في المحتوى والمضمون.

التحريف

يكاد يكون معنى التحريف واضحاً إذ هو حرف الشيء عن  مسيره واتجاهه وفيه شائبة التبديل والتغيير غير أن التبديل والتغيير إذا كان في الوثائق الرسمية سمي تزويراً.

أنواعه

1- التحريف اللفظي: وهو تغيير الشكل الظاهري لموضوع ما.

كأن يتلاعب بحديث أو موضوع بإضافة أو حذف عبارة منه أو بتقديم أو تأخير جملة بشكل يؤدي إلى تغيير المعنى.

2- التحريف المعنوي: وهو تفسير اللفظ بشكل يؤدي إلى مفهوم مخالف للذي قصده المتكلم، مع بقاء اللفظ على حاله دون تصرف فيه.

وصفة التحريف هذه هي من الصفات الملازمة لليهود وهم أبطال التحريف على مرّ التاريخ فإن عندهم ميلاً عجيباً لقلب الحقائق وتحريف الوقائع.

ويؤكد ذلك القرآن الكريم أثناء عرضه لسلوكهم وتصرفهم مع نبي الله موسى(ع) وتحريفهم لتعليماته في قوله تعالى:"أ فتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون". البقرة 75

 إنهم يعرضون الأمور بطريقة منحرفة معوجة عن مسارها ومنهجها الأصيل، ويحرفون الكلام عن وعي وسابق تصميم لا عن جهل أو سوء فهم.

منازل التحريف

إنّ للتحريف منازل حسب الموضوعات المحرفة:

1- التحريف لموضوع شخصي.

كأن يحرف قول أو سلوك فرد معين من عامة الناس ليس له دخل في تغيير اتجاه الحياة العامة وحرف مسيرتها.

2- التحريف لموضوع اجتماعي كبير.

كأن يحرف كلام أو سلوك شخصيات عظام قولها وفعلها وتقريرها سنة متبعة يشكل سنداً تاريخياً للأجيال ومثالاً حضارياً يقتدى به على مرّ الدهور والأزمان.

وإذا ما تناول التحريف حادثة تاريخية كبرى هي بمثابة وثيقة اجتماعية هامة ذات قيمة أخلاقية وتربوية للمجتمعات البشرية كواقعة عاشوراء، فإن الأمر ليس بسيطاً وعادياً بل الخطر عظيم والأثر بالغ الأهمية لتغييره اتجاه الحياة العامة وحرف مسيرتها سواء كان التحريف لفظياً أم معنوياً.

لأنّ واقعة كربلاء حادثة اجتماعية كبرى للأمة بل للبشرية لها تأثير بالغ على أخلاقنا وعاداتنا وسلوكنا وتربية أبنائنا، تدفع الملايين منا بشكل آلي لصرف ملايين الساعات من الوقت وإنفاق الملايين من الأموال لأجل إحيائها بالحضور والاستماع لما يرتبط بها من قضايا.

فلابدّ من عرض هذه الواقعة كما هي دون زيادة أو نقصان؛ لأنه في حالة أي تصرف في اللفظ أو المعنى مهما كان بسيطاً سيحرف اتجاه الحادثة عن مسارها وبالتالي إلحاق الضرر بالأمة بدلاً من إفادتها منها.

ميزة التحريف وخصائصه

يحصل التحريف أحياناً بشكل يتناسب إلى حدٍّ ما مع أصل القضية وينسجم مع مقدماتها، وفي أحيان أخرى لا يتناسب مع أصل القضية فحسب بل ينسفها من الأساس ويمسخها بالكلية ويخرجها بشكل قضية مضادة للأصل بالكامل.

إنّا ومع الاعتراف بأهمية دور الخطباء الحسينيين في الحفاظ على أصل الواقعة ونقلها من جيل إلى جيل نقول وبكل مرارة إنّ التحريفات التي أصابت هذه الواقعة على أيدينا كانت كلّها باتجاه التقليل من قيمة الحادثة ومسخها وتحويلها إلى حادثة لا طعم لها ولا وزن، والمسؤولية تقع على الرواة والعلماء، كما تقع على عامة الناس لوجوب النهي عن المنكر على الجميع.

الدافع للاختلاق

أغلب التزوير والكذب الذي أدخل على مواعظ التعزية كان سببه الرغبة في التحليق بالروح في جوٍّ مفعمٍ بالمأساة والفجيعة لأجل شدّ الناس ودفعهم للبكاء والنحيب ولو بضرب من الخيال والتزوير واختلاق ما لم يحدث بعيداً عن الوعظ والإرشاد.

دمعة تمنح المقام العالي

على الناس أن تسمع المأتم الحسيني الصادق حتى تتسع معارفهم وينمو مستوى تفكيرهم وليعلم أن حقيقة اهتزاز الروح لكلمة واحدة من كلمات المأتم الحسيني يعني تحليقها وذوبانها وانصهارها مع روح الحسين بن علي(ع)، وعندئذٍ فإن دمعة واحدة لو خرجت من الآماق كافية للحصول على المقام الكبير لأنصار الحسين، وأمّا الدموع التي تخرج من خلال العرض المأساوي ورسم المجزرة وتشريح الذبح والمذبحة فلا تساوي شيئاً حتى لو كانت بحراً من الدموع.

نماذج لبعض تحريفات الواقعة

حدّد المرحوم الميرزا حسين النوري أستاذ المرحوم الشيخ عباس القمي أعلى الله مقامهما في كتابه الصغير بحجمه العظيم بمكنونه ومحتواه"اللؤلؤ والمرجان" شروط ووظائف الخطيب الحسيني وأهل المنبر وقراء التعزية بشكل عجيب لا نظير له في الدنيا ولم يقم أحد بمثل هذه المهمة قبله.

فأول هذه الشروط هو خلوص النية وضرورة الابتعاد عن الجشع المالي وحب الكسب والارتزاق.

وثانيها الصدق وعدم الكذب باختلاق القصص الخيالية لإدخال الحماس والحرارة على المجلس.

  


نماذج مختلقة

أ- عرس القاسم:

جعلوا عرس القاسم وصية من الإمام الحسن حيث أن القاسم عندما أراد الإذن للقتال لم يأذن له الإمام الحسين(ع) فذهب القاسم إلى خيمته وهو يفكر في أمر حتى تذكر أن أباه علق على يده عوذة ففضها وفتحها فوجد فيها:"من الحسن بن علي إلى ابنه القاسم أما بعد فإذا وجدت عمك الحسين وحيداً فريداً فلا تقصر عن نصرة الغريب"

فذهب بها إلى الحسين فقرأها فقال إذا كانت عندك وصية فأنا عندي وصية أيضاً فأخذ بيده وصاح يا زينب يا رقية يا عاتكة هلممن وزففن القاسم.

وجعلوا هذا العرس وصية من الإمام الحسن لأخيه الإمام الحسين(ع).

زيادة على ما جعلوه أمنية لأم القاسم.

والأفضع في الأمر هو زيادة على الكذب والتزوير تعليل الكذب وتنويقه.

فلماذا السعي لجلب المعاذير لهذه الأكاذيب؟ هل واقعة كربلا لا توجد فيها مادة للرثاء والبكاء إلاّ هذه الخزعبلات؟

إن في واقعة كربلا من المواقف ما تشحد همم الرجال وتبسل حتى النساء ارجعوا إلى كلمات أنصار الحسين وأهل بيته ومواقفهم ولاحظوا بماذا كان يفكرون ولماذا يقدمون على الموت.

هل أنهم كانوا يقاتلون ويصيحون بالمصيبة أو أنهم فرحون بما هم عليه من الحق مستبشرون بالجنة وأن أنصار دين المصطفى(ص).

إنا عندنا مادة خصبة لو رجع إليها الخطباء ووعوها وغيّروا أسلوب عرض الواقعة من الانكسار إلى الشموخ ومن الحزن والأسى والبكاء على مواقف الانكسار والخذلان إلى موقف البطولة والشهامة والرجولة والعزة إلى موقف:"والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد" وإلى موقف:"ألا وإن الدعي بن قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله وحجور طابت وطهرت".

ب- عبارات لا تشعر بالشموخ.

وهذه العبارة وما شابهها من العبارات المختلقة فلم يظهر من أحد من أنصار الحسين ولا أهل بيته إلاّ الإباء والعزة وعدم الإنكسار، فحتى القاسم الطفل الذي لم يبلغ الحلم يرتجز و       يقول:" إن تنكروني فأنا نجل الحسن وابن النبي ووصيه المأتم".

يقول ذلك بكل عزة وفخر وشموم.

وهاهو الأكبر يرتجز بقوله:" هيهات لا يحكم فينا ابن الدعي".

وجميعهم على هذا المنوال من الشموخ والعزة

وناهيك عما نقله حميد بن مسلم من حالة الحسين عندما بقي وحيداً فريداً من قوله:" فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه عليه السلام؛ أن كانت الرجالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب"([10][1]).

مما يدلل على البطولة والشجاعة وقمة الشموخ والإعتزاز.

فليت شعري ما الداعي لإظهار الحادثة بمظهر الذل إنه حرف للحادثة عن مساره وهدفها السامي.

ج- حالات غير مألوفة.

وهذه الحالات كسابقاتها لا يوجد عليها دليل بل ربما يقال بأنه لا يوجد عليها ذوق سليم عرفي.

د- يقال في التوديع .

عندما أراد الإمام الحسين البروز للقتال نادت سكينة من خلف الخيمة: أبا يا حسسين! انزل من على ظهر جوادك واجلس متربعاً وأجلسني على رجليك وامسح على رأسي كما تصنع باليتامى فإني بعد ساعة سوف أكون يتيمة.

إضافة على أن الأمور تجري بأسباب وأن أرواح المؤمنين تنظر إلى أهلها فإن رأتهم بخير استرت واستبشرت وإلاّ فإنه يغيب عنها ما يغمها ويهمها وأن الرسول والأئمة يدعون للمؤمنين وهم في تلك الحياة، بدليل عموم قوله تعالى:"ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً".

ز- في الدفن بعدما أراد الإمام السجاد(ع) الخروج من القبر سمع صوتاً من منحر الحسين(ع) يقول: ولدي علي ضع الرضيع على صدي.

في الدفن لابد من توجيه المتوفى إلى جهة القبلة.

ح- ليلة الحادي عشر... صاحت زينب ضيعتني يا أبا عبدالله.

 أقول لا يمكن أن يصدر هذا القول من زينب ولا من أحد من أنصار أو أهل بيت الحسين هؤلاء الذين يصدر من صغيرهم:"إن تنكروني أنا نجل الحسن ...الخ" والذين كانوا يستبشرون بالشهادة خصوصاً زينب(ع) ويكفيك خطبها ووقوفها البطولي في وجه عبيدالله بن زياد بل وفي وجه يزيد عندما قال لها متشمتاً: كيف رأيت صنع الله بطاغيتك الحسين. فقالت:"ما رأيت إلاّ جميلاً هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم فقتاتلوا وقتلوا وسيجمع الله بينك وبينهم وانظر لمن الغب يومئذٍ ثكلتك أمك يا بن مرجانة".

وموقفها البطولي في وجه يزيد:"فكد كيدك واسعى سعيك وهل رأيك إلاّ فند وجمعك إلاّ بدد وأيامك إلاّ عدد فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا".

وغيرها وغيرها مما يؤكد على أن هذه المواقف التي تنمّ عن موقف الذليل الذي لا حول له ولا قوة المجبور على حوض ما لا يريد بعيدة كل البعد عن حماسة أبطال كربلاء وشجاعتهم وبسالتهم الذين آلوا على أنفسهم أن يعيشوا أحراراً في ظلّ حاكمية الإسلام وابن رسول أو يموتوا بعزتهم دفاعاً عن الدين والعقيدة.

وغير وغيرها

قاعدتان مهمتان

كيف نعرف القصة المختلقة؟

هناك طريقتان يمكن بهما أن تعرف القصة المختلقة:

1- الرجوع إلى مصادر التاريخ المعتبرة كالإرشاد وكتاريخ الطبري وابن كثير واليعقوبي وأما بالرجوع إلى مثل "شجرة طوبى" و"روضة الشهداء"و"أسرار الشهادة"وبعض المقاتل الأخرى التي على هذا النوال فمشكل.

2- نفس القصة عادة فيها قرائن تدل على الاختلاق من قبيل الإثارات التي تثير الحمية والانكسار في أغلب الأحيان لإشعال حرارة المجلس زيادة على الخروج عن المألوف في تعامل العقلاء من حالات التوديع والفراق وغيرها مما يشعر مع عامة العقلاء بالتغزز والاشمئزاز عند سماعها كـ قبلته في صدره أو شمته في نحره أو ألصق صدره بصدره بعدما حل أزرار درعه أو مجيئه في الثلث الأخير أو ضع لسانك على لساني فوجده كالخشبة اليابسة.

تحليل

ولما أصبح عبيدالله بن زياد بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفه كلها وقبائلها، وروي عن بن أرقم أنه قال: مُرّ به عليّ وهو على رمح وأنا في غرفة لي فلما حاذاني سمعته يقرأ:"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً" فقفّ والله شعري وناديت: رأسك والله يا بن رسول الله أعجب وأعجب([11][2]).

هذه الحادثة من الإعجاز الذي توجد عليه شواهد بحيث لا يمكن أن ينكر زيادة على أن هذا مما نقلته الكتب المعتبرة كإرشاد الشيخ المفيد.

ومن تلك الشواهد هو أنه لعل السر في تلاوة هذه الآية من بين جميع آيات القرآن ليس هو مجرد إظهار الإعجاز والمقدرة الإلهية على إحياء الموت فحسب ولم يكن رأس الحسين أعجب لأن أصحاب الكهف كانوا أمواتاً ورجعوا إلى الحياة بأجسادهم الكاملة بينما رأس الحسن كان أعجب لأنه تكلم وهو مجرد رأس دون جسد. كلا!

فإن وراء ذلك سرّ عظيم وهو أنه أصحاب الكهف بمسيرتهم وإن ماتوا في كهفهم إلاّ أن بمسيرتهم أحيي الدين ودخل بسبب مسيرتهم الكثير الكثير في الدين وأحيي دين المسيح بسبب دخول هؤلاء العظماء في الدين لأنه كان قد أشيع أن الدين لم يدخل فيه إلاّ الفقراء والضعفاء الذين لا وزن لهم، ولكن عندما أدحضت حجة المستكبرين بأن هذا الدين قد اعتنقه وزير السلطان ولما عرف السلطان بذلك أراد أن يعدمه ففر هو وأصحابه بدينهم وقامت أرمينيا بدور التبليغ لهؤلاء الفتيا الذين فروا بدينهم وأخذت تبين الدين للجميع([12][3])، ولما عرف الجميع بذلك وعى الجميع قيمة الدين وهكذا قضية الحسين وزينب.

وهكذا يظهر لنا الحسين سراً من أسرار نهضته بالعودة إلى منابع الرسالات والمبلغين النموذجيين الذين كان لهم الدور الفعال في نشر الدين بشكل لم يتسنى لغيرهم أن يقوم به ومن هنا نفهم ما روي عنه(ع) أن الرسول(ص) قال له:"إن لك مقاماً في الجنة لن تناله إلاّ بالإستشاد في كربلا"

ونفهم معنى المقولة التي تقول:"إن مولد هذا الدين محمدي وبقاءه حسيني"

فإن الدور الذي قام به الحسين هو نفس الدور الذي قام به أصحاب الكهف.

 

قاعدتان مهمتان

كيف نعرف القصة المختلقة؟

هناك طريقتان يمكن بهما أن تعرف القصة المختلقة:

1- الرجوع إلى مصادر التاريخ المعتبرة كتاريخ الطبري وأما بالرجوع إلى مثل "شجرة طوبى" وبعض المقاتل.الأخرى التي على هذا النوال فمشكل.

2- نفس القصة عادة فيها قرائن تدل على الاختلاق من قبيل الإثارات التي تثير الحمية والانكسار في أغلب الأحيان لإشعال حرارة المجلس زيادة على الخروج عن المألوف في تعامل العقلاء من حالات التوديع والفراق وغيرها مما يشعر مع عامة العقلاء بالتغزز والاشمئزاز عند سماعها كـ قبلته في صدره أو شمته في نحره أو ألصق صدره بصدره بعدما حل أزرار درعه أو مجيئه في الثلث الأخير أو ضع لسانك على لساني فوجده كالخشبة اليابسة.

 

 

***

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أهميته

قال تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر(([13][10]).

وقال تعالى: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون(([14][11]).

قال أبو عبدالله الحسين(ع) في وصيته لأخيه ابن الحنفية:((وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداّ ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص) أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب(ع) فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين))([15][12]).

الأمر بالمعروف مصلحة للعموم

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محافظة على حقوق المجتمع لاسيّما حقوقك أنت، فقد ورد تشبيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجماعة ركبوا سفينة فقام أحدهم بخرقها فإن هم تركوه غرقوا جميعاً.

فالناهي عن المنكر إنما يحافظ أوّلاً وبالذات على حقّه وثانياً على                       حقوق الآخرين.

وبالأمر بالمعروف يكمن صلاح المجتمع، قال أمير المؤمنين(ع):((فرض الله تعالى... الأمر بالمعروف مصلحة للعوام))([16][13]).

ولذا كانت به الفرائض قائمة، فعنه(ع) قال:((قوام الشريعة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإقامة الحدود))([17][14]).

ولذا كان أسمى الفرائض وأشرفها، فعن الباقر(ع) قال:((يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراءون يتقرؤون ويتنسّكون حدثاء، سفهاء، لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلاّ إذا أمنوا الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير... ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها))([18][15]).

وعن أمير المؤمنين(ع) أنه قال:((ما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلاّ كنفثة في بحر لُجّي))([19][16]).

ويحدد لنا الإمام الصادق(ع) لماذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسمى الفرائض، فعنه عن آبائه(ع) أنه قال: قال رسول الله(ص):((إن المعصية إذا عمل بها العبد سراً لم تضر إلاّ عاملها، وإذا عمل بها في علانية ولم يُغيّر عليه أضرّت العامة، قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) وذلك أنه يذل بعمله دين الله ويقتدي به أهل عداوة الله))([20][17]).

وفي الأمر بالمعروف عزّة الإسلام وعدم ذلّ دين الله كما قال الإمام الصادق(ع)، وفيه شدّ لظهور المؤمنين، ولابدّ من تحمل المشقة والأذى في سبيله، فعن أمير المؤمنين(ع) قال:((من أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين))([21][18]).

وعنه(ع) في قوله تعالى:)واصبر على ما أصابك( ((من المشقة والأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))([22][19]).

***

البكاء على الميت

يجوز البكاء على الميت ولو كان مع الصوت، بل قد يكون راجحاً كما إذا كان مسكّناً للحزن وحرقة القلب، بشرط أن لا يكون منافياً للرضا بقضاء الله. ولا فرق بين الرحم وغيره، بل إنه يستحب البكاء على المؤمن، بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضال والخبر الذي ينقل من أن الميت يعذب ببكاء أهله ضعيف، منافٍ لقوله تعالى:)ولا تزر وازرة وزر أخر( وأمّا البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقروناً بعدم الرضا بقضاء الله. نعم يوجب حبط الأجر، ولا يبعد كراهته([23][20]).

ويجوز النّوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يتضمّن الكذب وما لم يكن مشتملاً على الويل والثبور على الأحوط، لكن يكره في الليل، ويجوز أخذ الأجرة عليه إذا لم يكن بالباطل، لكن الأولى أن لا يشترط أوّلاً([24][21]).

اللطم وخدش الوجه وشق الثوب على الميت

لا يجوز اللّطم والخدش وجزّ الشعر، بل والصّراخ الخارج عن حد الاعتدال على الأحوط، وكذا لا يجوز شقّ الثوب على غير الأب والأخ، والأحوط تركه فيهما أيضاً([25][22]).

وفي جزّ المرأة شعرها في المصيبة كفّارة شهر رمضان، وفي نتفه كفارة اليمين، وكذا في خدشها وجهها([26][23]).

وفي شقّ الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده، كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام([27][24]).

 

التطبير

أفتى معظم علماء الشيعة في الآونة الأخيرة بحرمة التطبير بعد الفتوى الشجاعة من قبل ولي أمر المسلمين بذلك هذا الذي لم يكن له مستند شرعي غير الأوهام بحصول المواساة لأبي عبدالله(ع) من بعض المحبين، وليت شعري هل قام الحسين من أجل ذلك.

التعزية

تعزية أهل المصيبة وتسليتهم من المستحبات المؤكدة، والمراد بها: طلب التسلي عن المصاب والتصبّر عن الحزن والإكتآب، بإسناد الأمر إلى الله عزّوجلّ، ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله تعالى على الصبر، مع الدعاء للميت والمصاب.

يقال عزّيته فتعزّى: أي صبّرته فتصبّر.

ولها أجر كبير جداً فعنه(ص) أنه قال:((التعزية تُورث الجنة)).

وعن الإمام الباقر عن آبائه عن النبي(ص) أنه قال:((من عزّى مصاباً كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر المصاب شيء))، وقال(ص):((من عزّى حزيناً كسي في الموقف حلّة يحبر(*) بها))([28][25]).

بماذا تتحقق التعزية؟

يكفي في التعزية أن يراك صاحب العزاء ولا تشترط صيغة ولفظ خاص للتعزية، فعن الإمام الصادق(ع) قال:((كفاك من التعزية بأن يراك صاحب المصيبة))([29][26]).

وإن كان الأفضل إظهار التعزية باللفظ على ما يبدو من تعريفها.

ماذا يقال في التعزية؟

أتى أبو عبدالله(ع) قوماً قد أُصيبوا بمصيبة فقال:((جبر الله وهنكم، وأحسن عزاكم، ورحم متوفاكم، ثم انصرف))([30][27]).

الولائم الخيرية

حثّ الإسلام على أمور لها دخل في إنعاش الحياة الاجتماعية، منها الولائم الخيرية التي كان لها دورٌ كبير في إشباع الجائع وإطعام من لا يجد قوته، فحثّ على إطعام الطعام والتحاضض على إطعام المسكين، والتسبيل والتحبيس وإشعال السراج والمصابيح وتعديل الطرق وبناء القناطر والجسور ونحوها ووردت نصوص تحثّ على ذلك من قبيل هذه الرواية، عن أنس قال: قال رسول الله(ص):((من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج))([31][28]).

وكان السراج في الزمن السابق عبارة عن القناديل والشموع، وفي هذه الأيام تستخدم الشموع لأغراض متفاوتة، ولكن من الخطأ استخدامها لأجل الحصول على ما وعد به في الرواية كما يتوهم البعض، إذ إشعال الشمعة ليس له خصوصية بما هوهو، وإنما لأجل أن الإنارة سابقاً كانت بواسطتها صار من المناسب الإشارة إليها بما هي عنوان ومصداق جلي في ذلك الزمان، والآن حيث الكهرباء لا يقال بأن من أضاء شمعة له هذه الخصوصية المذكورة في


الرواية لوضوح أن الغاية من الشمعة هو الحصول على النور ومع وجود المصباح الكهربائي لا فائدة من الشمعة، هذا كما أنه لا خصوصية في الشمعة ليقال ببقاء الخصوصية المذكورة.

نعم يمكن القول بذلك في الأماكن الخالية من الكهرباء.

وبعد وضوح هذا الأمر نقول: إن الولائم الخيرية كانت تحلّ مشكلة الجوع وتطعم من لم يتذوق الغذاء الجيد ومن لم يكن له عهد مع بعض أنواع المأكولات كاللحم وغيره، ولهذا صارت من أهم مصاديق البر وجاء الحثّ عليها في القرآن الكريم والأحاديث والروايات المقدسة، والتي أشرنا إلى بعضها في الفصل الأول، ومن هذه الولائم الخيرية ولائم العزاء الحسيني التي اهتم محبو أبي عبد الله الحسين(ع) بها غاية الاهتمام وفي أيام مخصوصة أيضاً.

والإسلام دائماً يراعي مصلحة الجميع ويشرع لهم ما فيه خير وصلاح لهم، وما استحباب التسبيل وبناء القناطر ووقف الدور لسكنى من لا يجد مسكناً إلاّ دليل على ذلك، كما لا يخفى مدى ما لهذه الأعمال من بعدٍ إنساني، ولأجل أن قوانين الإسلام هي لسلامة الإنسان ولخدمته، اهتمّ بتوزيع الأموال والثروات وأوجب للفقراء في أموال الأغنياء حقاً معلوماً (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).

وعلى هذا لابد من مراعاة الأهم فالأهم في جميع ما تقدم، لأنه في زماننا تغيّرت أكثر الحالات السابقة، فعلينا أن لا نتعامل مع مفاهيم الإسلام بما كان يُتعامل معها في الزمن السابق بل لابد أن نأخذ قوانينه كما أراد هو أن تكون متفاعلة مع الإنسان مهما كان نمط حياته، ويجب أن نستوعب مراد ديننا الحنيف على ضوء ما شرّعه هو.

لذا نرى أن الإسلام شجّع كلَّ مَنْ يستطيع أن يصنع وليمة وحثّه على أية وليمة كانت؛ لأن أكثر الناس في الزمان السابق كانت تعيش نمطاً من الحياة غير التي نعيشها، فهم لأجل عدم الإمكانيات والفقر الشديد الموجود سابقاً كانت تمرّ على أغلبهم أسابيع أو شهور لا يستطيع أن يتذوق ما يريده من الأطعمة مثل اللحم وغيره من المأكولات المختلفة، والفقر وإن كان لا يزال موجوداً إلاّ أنه بحالة غير التي كانت موجودة سابقاً؛ لأن الإمكانيات في زماننا متوفرة بشكل أكثر ويستطيع الأغلب مهما كانت حالته أن يستفيد منها ويأكل ما يريد من أصناف المأكولات.

ولكي نتعامل مع مفاهيم الإسلام بشكل مناسب لمفاهيمه العالية لابد من تنسيق هذه الولائم الخيرية في زماننا هذا الذي تغيّرت فيه في الأغلب الغاية من هذه الولائم، إذ أصبحت الغاية من مثل وليمة العزاء الحسيني هي أخذ البركة بدل أن كانت لإشباع الجائع وللحضّ على طعام المسكين.

ولائم العزاء الحسيني

لابدّ من دراسة هذه الوليمة لتعلقها بما نحن فيه من بحث، ولما يحدث في بعض البلدان من كيفية التعامل مع هذه الولائم المختصة بأيام أبي عبد الله الحسين(ع) فإنه حدث ويحدث أن قد تصنع الولائم ولكثرتها وبعد أكل كل من قد حضر لا يوجد لها مصرف سوى أن ترمى في الأماكن غير المعدة لذلك، فأقول وعلى الله التكلان:

ولائم العزاء الحسيني من المناسبات العامة التي كانت تلعب دوراً كبيراً في إشباع المعوزين حتى أن الأغلب كان ينتظرها بشوق ولهفة وهي إحدى المناسبات الكبرى التي كان يستطيع من خلالها من لا عهد له بالقوت والشبع أن يأكل ما لا يستطيع أن يطعمه في سائر الأيام.

ولا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير الذي قامت به ولائم سيد الشهداء(ع) في رفع هذا الجانب من الحياة على مرّ العهود الماضية، التي كانت بأمس الحاجة لمثل هذه الولائم الخيرية.

ولكن حيث إن الأحوال والأوضاع قد تغيرت، وأضحى الزمان مختلفاً عمّا كان عليه سابقاً  إذ حتى الفقير هذه الأيام يستطيع أن يجد ما يودّ تناوله من أصناف المأكولات وفي كل يوم، فالمناسب هو تنسيق هذه الولائم، وبالخصوص ولائم العزاء الحسيني التي هي من الكثرة بمكان لو نُسّقت لأطعمت كل أهل البلاد.

أَ فهل من المناسب صنع ولائم كثيرة في قرية أو مدينة يكون مآل جُلّها الرمي في الخرائب؟!

ثم ألا يوجد لهذه الأموال الموقوفة لمآتمه(ع) مصرف غير أن تطبخ ليكون مآل أكثرها الرمي؟!

إن أكثر الناس  تتعامل مع وليمة العزاء الحسيني على أساس أخذ البركة من الأكل منها، وهكذا يتعامل مع سائر الولائم الخيرية الأخرى كمضيفات الأئمة، فبدل أن كانت تشبع الجائع أصبحت لأخذ البركة، فما هي البركة؟!

ثم هل أن من البركة أن تصنع الولائم الكثيرة ليكون آخرها الرمي؟!

إنه الإسراف بعينه، وأبو عبدالله الحسين(ع) لا يرضى بالإسراف، والبركة معناها: النماء والزيادة في الخير وتبرّك به أي تيمّن به،([32][29]) ولا شيء من الإسراف بمتيمّن به ولاشيء منه بخير.

فقه المسألة

إذا كان هناك وقف لطعام مأتم أبي عبد الله الحسين(ع) يجب صرف الوقف فيما وقف له، ولكن إذا تعذر الانتفاع به، فإنه يصرف في الجهة الأقرب إلى الجهة المقصودة بالوقف، كما صرح بذلك علماء الإسلام.

ففي (منهاج الصالحين): إذا تعذر الانتفاع بالعين الموقوفة لانتفاء الجهة الموقوف عليها صرفت منافعها فيما هو الأقرب فالأقرب، فإذا كان الوقف وقفاً لإقامة عزاء الحسين (عليه السلام) في بلد خاص ولم يمكن ذلك صرفت منافعه في إقامة عزائه عليه السلام في بلد آخر([33][30]).

وغير خفي أن تعذر الانتفاع به أعم من انتفاء الجهة فقد يكون التعذر لعدم وجود عدد كافٍ لصرفه عليهم كما هو الحال فيما نحن بصدد مناقشته، والعذر حينئذٍ هو تحقق الإسراف بصرف هذه الأوقاف بدون حساب.

إذن لابد من صرف هذه الأوقاف في الجهة المعينة قدر الاستطاعة والزائد المتبقي يصرف فيما هو الأقرب فالأقرب إلى الجهة المعينة.

وإذا جمعت أموال لا بعنوان الوقف فإنه يجب أن تصرف في الجهة المقصودة قدر الإمكان وإلاّ ففي الجهة الأقرب إلى الجهة المقصودة ولا يجوز أن ترجع هذه الأموال على أصحابها لأنها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معينة فإنها خرجت عن ملك صاحبها كالصدقة المعوّضة بالقربة إلى الله تعالى فإنهم قالوا: ليس له الرجوع فيها،وهنا أيضاً كذلك.

ففي (منهاج الصالحين) قال: الأموال التي تجمع لعزاء سيد الشهداء(عليه السلام) من صنف خاص لإقامة مأتمه أو من أهل بلد لإقامة مأتم فيها أو للأنصار الذين يذهبون في زيارة الأربعين إلى (كر بلاء) الظاهر أنها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معينة وليست باقية على ملك مالكها ولا يجوز لمالكها الرجوع فيها، وكذا إذا أفلس لا يجوز لغرمائه المطالبة بها وإذا تعذر صرفها في الجهة المعينة فالأحوط صرفها فيما هو الأقرب فالأقرب إلى الجهة الخاصة([34][31]).

ويجب أن تكون الشروط التي يشترطها الواقف جائزة شرعاً كي يكون الوقف صحيحاً.

فقد قال في (منهاج الصالحين): الشرائط التي يشترطها الواقف تصح ويجب العمل عليها إذا كانت مشروعة، فإذا اشترط أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة أولا يؤجر على غير أهل العلم لا تصح إجارته سنتين ولا على غير أهل العلم([35][32]).

ويجب أن يصرف المنذر في الجهة المقصودة فإن لم يمكن صرف في مصالح الجهة حتى لو استلزم ذلك بيعه.

ففي (منهاج الصالحين) قال: لو نذر أن يجعل دابته أو عبده أو جاريته هدياً لبيت الله تعالى أو المشاهد، استعملت في مصالح البيت أو المشهد فإن لم يمكن ذلك بيعت وصرف ثمنها في مصالحه من سراج وفرش وتنظيف وتعمير وغير ذلك([36][33]).

ولو كان متعلق النذر أن يصرف لما يعود للنبي(ص) ومسجده أو لأحد الأئمة(ع) ومشاهدهم فالمدار على قصد الناذر وإلاّ صرف على جهة راجعة إلى المنذور له.

ففي (منهاج الصالحين) قال: لو نذر شيئاً للنبي(ص) أو الولي فالمدار على قصد الناذر ويرجع في تعيينه مع الشك إلى ظاهر كلام الناذر ولو لم يقصد إلاّ نفس هذا العنوان يصرف على جهة راجعة إلى المنذور له، كالإنفاق على زواره الفقراء أو الإنفاق على حرمه الشريف ونحو ذلك ولو نذر شيئاً لمشهد من المشاهد المشرفة صرف في مصارفه فينفق على عمارته أو إنارته أوفي شراء فراش له وما إلى ذلك من شؤونه([37][34]).

ونحو هذا ذكر غيره من العلماء الأعلام أعلى الله كلمتهم ورفع درجاتهم أجمعين.

والوليمة في الأيام الحسينية ربما يكون لها نحو من الندب ولكن هل هي مستحبة بما هي هي بغض النظر عن العوارض الخارجية الأخرى أو أنها مع احتياج زوار الحسين(ع) أو القائمين على مأتمه لها تكون راجحة؟.

أوجه.

والمعنى الذي نريد التوصل إليه هو هل أن الوليمة لمآتم أبي عبد الله الحسين(ع) مستحبة استحباباً نفسياً أو استحبابا غيرياً؟.

فإن كانت مستحبة بما هي هي فينبغي الحثّ عليها، وإن لم تكن كذلك فبمقدار الحاجة.

وأيضاً من حيث الوقف والنذر يأتي نفس الكلام فهل يستحب الوقف لذلك بما هوهو بغض النظر عن الأمور الأخرى أولا؟.

حدود إطلاعي لم أر من يقول بالاستحباب النفسي أو ما يساعد عليه ألاّ ما قد يوهم ذلك وهو في  ثلاث موارد:

أ) ما ورد من كراهة الصيام في يوم العاشر من المحرم، فربما تكون هذه الولائم فيها مساعدة على الابتعاد عن عمل المكروه، لكن هذا يصلح للاستحباب الغيري لا النفسي، والله العالم.

ب) ما هو مترتب على النذر والوقف ونحوهما من حصول الأثر التكويني لنيل المراد ودفع البلاء، وهذا كسابقه.

ج) ما عن محمد بن محمد المفيد قال: وفي العاشر من المحرم قتل الحسين عليه السلام وجاءت الرواية عن الصادق(ع) باجتناب الملاذ فيه وإقامة سنن المصائب، والإمساك عن الطعام والشراب إلى أن تزول الشمس، والتغذي بعد ذلك بما يتغذى به أصحاب المصائب([38][35]).

وفي هذا الخبر إرشادات جديرة بالإتباع، وهي:

1ـ يوم عاشوراء يوم مصيبة تقام فيه سنن العزاء من الظهور بمظهر المصاب بفقد حبيب له، وما أدراك ما يعتري المصاب من حزن وأسى عند فقد عزيز له من اجتناب الملاذ والإمساك عن الطعام والشراب بل وصدود نفسه عن ذلك.

2ـ إنّ من الأدب في هذا اليوم اجتناب الملاذ والإمساك عن الطعام والشراب إلى الزوال، وهذا الأمر مغفول أو متغافل عنه في مجتمعاتنا، إذ في بعض الحسينيات توضع الولائم من الصباح الباكر.

طبعاً وإن كان هناك مبرر لذلك وهو كثرة الولائم المنذورة في هذا اليوم لأنه في كل حسينية توجد مأدبة للطعام, فإن لم توضع من الصباح الباكر فلن تجد لها آكلاً بعد حين.

وإذ ينبغي الالتزام بهذا الأدب في اليوم العاشر، يُقترح أن نجد حلاً لكيفية التعامل مع هذه الولائم المخصوصة لليوم العاشر من المحرم، كي نتحصل على تنفيذ ما هو مطلوب من الإمساك حتى الزوال، ولكي لا تضيع هذه الولائم لعدم وجود من يأكلها.

فلماذا لا تُلغى جميع الخصوصيات الشخصية وتصنع هذه الولائم بشكل جماعي كما حدث لوليمة النكاح بواسطة الزواج الجماعي، أو أي حل آخر يضمن لنا عدم الوقوع في الإسراف، لأن مفهوم الإسراف والتبذير واسع ويشمل حتى أدنى الأشياء فضلاً عن الأشياء الثمينة، ففي حديث داود الرقي عن أبي عبدالله(ع) قال: ((إن القصد يحبه الله عزّوجلّ، وإن السرف يبغضه حتى طرحك النواة فإنها تصلح لشيء، وحتى صبّك فضل شرابك)).

وعن الصادق(ع):(( أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء وابتذال ثوب الصون وإلقاء النوى)).

وعن الكاظم(ع):(( ولكن السرف أن تلبس ثوب صونك في المكان القذر)).

فما بالك عندما ترمى هذه الولائم المخصوصة بأيام سيد الشهداء(ع) ولا يستفاد منها الاستفادة المطلوبة، أَ ليس هذا من الإسراف والتبذير؟!

والله قد نهانا عنهما وقال: )ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين( بل وعدّ المبذرين إخواناً للشياطين حيث قال:) ولا تبذر تبذيراً إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً(.

3ـ من هذا الخبر يفهم أن أصحاب المصيبة لهم كيفية خاصة في التغذي، لذلك قال (والتغذي بعد الزوال بما يتغذى به أصحاب المصائب)، وهذا أمر وجداني لأن أصحاب المصيبة عادة تكون قلوبهم مكسورة فلا يوجد عندهم ميل واشتهاء للأكل إلاّ بمقدار ما يسدّ حاجتهم، فحري بالتنبه إلى هذا الأمر ووضعه في مآتمنا، لأن بعض حالات الولائم خرجت عن هذا المعنى وصارت تضاهي الولائم المتّخذة للأفراح والأعراس.

تنبيهٌ لمحبي أبي عبد الله الحسين(ع)

بقي علينا أن ننبه على أنه يجدر بالمؤمنين من محبي أبي عبد الله الحسين(ع) أن يلاحظوا الجهات الأخرى التي يعود نفعها على ما قام الإمام الحسين(ع) من أجلها ويجعلوا وقوفاتهم ونذوراتهم لها ويسمونها باسم أبي عبد الله الحسين(ع) فإن صرف الغذاء في مأتمه ليس هو السبيل الوحيد للحصول على البركة ورضى الإمام الحسين(ع) بل إنه يرضى بما فيه ترويج الدين أكثر من أي أمر آخر، لأننا قد عرفنا من صريح بيانه أنه إنما قام لأجل الدين، فلذا نقطع برضاه بالوقف والنذر باسمه لما فيه ترويج الدين ونشر آثار سادة الورى أجمعين عليهم سلام رب العالمين.

 

***

التطبير

 

تعريفه

المعنى اللغوي للتطبير هو: شق قمة الرأس مما يلي الجبهة بالسيف أو الموسى ثم الضرب عليه ملياً بالسيف.

ويفعل ذلك بدعوى أنه من مظاهر الحزن على الإمام الحسين(ع).

وهو مما توقف فيه بعض العلماء وأفتى بحرمته بعضهم وبجوازه آخرون، ولكن في الآونة الأخيرة بعد حكم السيد القائد بعدم جوازه فقد صارت مندوحة كبرى للكثير أن ينظر فيه بنظرة شمولية من حيث وجود دليل لذلك وعدمه ومن حيث ترتب فائدة تعود على المذهب ومحبي أبي عبدالله(ع) أو لا، بل وهل هناك فائدة تعود على الإسلام والمسلمين أو لا؟

وادّعى بعضهم أن هذا فعل من أجل الحزن على الإمام الحسين(ع) الذي ضحى بدمه من أجل إعلاء كلمة الله، وقال مجادلاً: أ فلا يستأهل الإمام الحسين(ع) أن نعمل من أجله هذا العمل، إنّ ذلك قليل في حقه(ع)!

ومع كل أسف فإن هذه الحجة صارت ذرية ومستمسكاً يتساهل في بعض الأمر الخاصة بمراسم العزاء الحسيني اعتماداً عليها.

ولقد بات من الواضحات أن التعامل مع ثورة الإمام الحسين(ع) لا ينبغي أن يكون على أساس البكاء على الإمام الحسين(ع) لأنه غدر به أهل الكوفة ولم ينصروه بل على أنها إحدى الحوادث التي تلهم المسلمين الدروس والعبر في مسيرة الجهاد ضد الظالمين الغاصبين وما البكاء عليه إلاّ صرخة في وجه الظلم والظالمين حتى على مستوى ظلم الإنسان لنفسه، فالإمام الحسين(ع) لم يرق دمه هدراً أو لأجل أن نبكي عليه كفارة لذنوبنا وإنما كان ذلك جهاداً ضد الظالمين ولا يتناسب التطبير مع ما قام من أجله الإمام الحسين(ع).

ويبدو هذا واضحاً جلياً خصوصاً بعد الصحوة الإسلامية العظمى على يد المفكر الإسلامي الكبير الإمام الخميني(قدس) واتضاح الإسلامي المحمدي الأصيل من الإسلام الدخيل، وإحياء  سنة الجهاد عند المسلمين حتى بالحجارة ضد اليهود الغاصبين.

نعم مما يتناسب مع ثورة الإمام الحسين(ع) وإحياء سنة الجهاد هو إغراق الأكفان بالدماء ضد اليهود الغاصبين كما يفعل هذه الأيام أبناء الانتفاضة في فلسطين المقدسة وكما فعلت المقاومة الإسلامية من حزب الله بإخراج إسرائيل من جنوب لبنان فأظهرت عزة الإسلام والمسلمين وألحقت الذل والشنار بالطغاة الكافرين وقمعت أيدي الطامعين الغاصبين.

ولن تصل الأمة إلى مطلوبها وسعادتها في الدنيا والآخرة إلاّ بالسير على نهج الإمام الحسين(ع) الإصلاحي([39]) على جميع المستويات، وها نحن نشاهد بعد الصحوة الإسلامية الكبرى تحقق أمل المستضعفين عندما وجد من يسيرة على نهج أبي الأحرار(ع) الذي يقول:"والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد"، والذي يقول:"إني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً".

فهذه الكلمات تحيي في روح المؤمن حب الجهاد وعدم الخوف من الموت الذي يخشى حتى من أن يتمناه([40]) اليهود، فالمؤمن يرى الموت سعادة أو شهادة في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يرى الحياة مع الظالمين تساوي شيئاً بدون الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مستند التطبير

مما يؤسف له تمسك بعض المحبين بالتطبير مع أن هذا العمل لا مستند شرعي له فلا آية ولا رواية ولا إجماع ولا عقل ولا سيرة عقلائية تشهد بحسنه، بل عمومات  الأدلة تشهد بخلاف ذلك.

وغاية ما يمكن أن يتمسك به لإثبات مشروعيته هو ما حكي عن بعض المؤرخين من ضرب زينب(ع) رأسها بمقدم المحمل وسالت الدماء لما لاح لها رأس الحسين(ع) على رأس رمح طويل.

وفيه: أولاً: إنه بناءً على كون السنة هي قول المعصوم وفعله وتقريره، وعدم عدّ السيد زينب(ع) من المعصومين الذين يمكن أن يؤخذ من قولهم أو فعلهم أو تقريرهم الحكم الشرعي فالأمر واضح.

وإن عدّت من المعصومين ولو بشهادة ما نقل عن الإمام زين العابدين(ع) في حقها بقوله:" أنت عالمة غير معلمة". كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء.

فإنا بحاجة لإثبات الصدور إلى طريق سليم والحال أن ذلك حكاية من بعض المؤرخين، ولم ترد في خبر صحيح يمكن أن يكون مستنداً لحكم شرعي ولو على نحو الرجحان، فهذه هي المجاميع الحديثية بين أيديكم لا يوجد فيها خبر ولو مرسلاً يروي ذلك.

ثنياً: يمكن أن يقال بوجود خصوصية لزينب(ع) باعتبارها أخت؛ لأن ذلك مخالف للأوامر الشرعية المحددة لكيفية إظهار الحزن في حال المصيبة بعدم جواز لطم الوجه وخدشه مطلقاً وشق الثوب إلاّ على الأب والأخ.

ثالثاً: إن هذا الاستدلال تمسك بالعموم الناتج من الفعل والفعل دليل لبي صامت لا إطلاق فيه ليتمسك بعمومه وشموله كما قرر ذلك في محله.

أساس المنشأ

قد تكون هذه الظاهرة من دس المقرضين فالتساهل في ترجيح أمر بدون أن لا يكون له مستند من آية أو رواية أو سيرة ليس من ديدن المتشرعة.

وحكي أن أحد زعماء الجيش التركي كان على سرية يحيون مراسم العزاء الحسيني سنوياً بالحضور في كربلا وفي إحدى السنوات وصلوا متأخرين لعائق قيل بأنه النوم ولم يصلوا إلى كربلا إلاّ بعدما انقضت المراسم فندم ذلك الزعيم وأخذ يضرب بسيفه على رأسه حتى قضى وصار الجنود من أتباعه يزورنه كل عام ويحكون كيفية موته ويعزون ذلك لندمه على تأخره عن حضور اليوم العاشر في كربلا حتى غدت هذه الظاهرة عادت وسنة تتبع في المراسم وتوارثها الآباء عن الأجداد طبعاً وإن وجد لها في كل زمان من ينكرها من علمائنا الأعلام أعلى الله مقامهم.

ومن الواضح أن الحكم الشرعي ولو على نحو الرجحان لا يؤخذ من هكذا عادات إذ لاستنباط الحكم الشرعي قواعد مقررة لا يمكن أن تتعدى وتتجاوز.

ولا يمكن أن تطرح عمومات الكتاب الكريم والسنة المطهرة والعقل المقتضية لحرمة إيذاء النفس بأي نحو كان ما لم يكن هناك مقيد أو مخصص.

ولا يمكن رفع اليد عن اليقين بالوهم، أ فهل يحتمل أن الإمام استشهد من أجل أن نطبّر ونهدر دماءنا بهذا النحو الذي لا جدوى ولا فائدة من ورائه.

أخطار التطبير

من المخاطر الكبيرة أن يؤخذ ذلك ذريعة لوسم المذهب بما لا ينبغي بل إن في ذلك إعانة للحاقدين لتبرير بعض ألصوقاتهم وأنه لا يتماشى مع معطيات العقل السليم.

ولو برر أحد بأن هناك طوائف غير إسلامية لها بعض العادات التي فيها إيذاء للبدن لم توسم بأنها خرافية وغير محترمة بل يعلن عنها بطريقة تشعر بأنها لابد أن تحترم لأنها عادات لبعض الديانات ولا ينبغي أن تحتقر.

وفي الجواب نقول: لا بدّ أن يتنبه الجميع إلى أنه يعتنق ديناً يعمل له العالم بأسره من يهود ومسيحية كأبر ديانات سماوية ألف حساب، فمنذ قرون كانت محاولاتهم على مرّ العصور أن يبعدوا القرآن وتعاليم الإسلام عن المسلمين وعلى الأقل أن يبعدوهم عن العمل به بسياستهم المعروفة: ( فرّق تسد).

وأبداً لا يعامل أهل ديانة كما يعامل المسلمون؛ لأن الإسلام جاء لهم بحضارة في حين كانت أربا غارقة في العصور الوسطى عصور الظلمات والتخلف والجهل وحكومة الغاب والسادة على العبيد، فأصحاب الديانات الأخرى على مرّ التاريخ لم تكن عندهم حضارة يخشاها المستعمر ويخافها الظالم كما هي عندنا نحن المسلمين، وهو دائماً يحاول أن يختلق مثل هذه الخرافات ويسعى في نشرها على أيدي أبنائنا مع كلّ أسف لينال منا ومن ديننا بإبعادنا عنه، ونحن ما لم ندع الجهل ونتبع العلم والعلماء العارفين الحريصين على رفع راية الإسلام عالية خفاقة في وجه كل الظالمين فإننا سنكون عوناً مساعداً لعدونا في وصوله إلى مآربه.

البديل

أخذ بعض محبي أبي عبدالله(ع) بإنشاء ظاهر قمة في الروعة وهي التبرع بالدم في أيام العزاء الحسيني لا سيما في اليوم العاشر من المحرم باسم الإمام الحسين(ع)، وفي بعض البلدان كان ذلك بالتنسيق مع المستشفى العام بأن يجلب مندوبين من قبله للمحلات العامة التي يقام فيها العزاء وقد توافد الكثير من المحبين على ذلك ووجد مصدر للحصول على الدم للمرضى بطريق ملؤه الحب والود واستمرارية العطاء، وناهيك عما في ذلك من الإبداع والفائدة العامة التي تلحق بالمواطنين والمقيمين وتجنب المخاطر من الدم الوافد من الأجانب.

مناقشات
وردتنا مناقشات على موضوعنا الأخير بعنوان (التطبير) مراسلة عبر بريدنا الإلكتروني وهي ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
معذرة سماحة الشيخ. قلت في التطبير: ويبدو هذا واضحاً جلياً خصوصاً بعد الصحوة الإسلامية العظمى على يد المفكر الإسلامي الكبير الإمام الخميني(قدس). السوال هو اذا كان فيه مهانة على الأسلام وانه من المحرمات فلماذا سكت عنه الأمام مع انه في قوته وسلطته يفوق القائد بكثير فهل ان سكوته في نظركم الشريف كان تقية او خوفا من الشعب وهو الذي لم يهب جبابرة زمانه وما هذا إلا اكبر دليل على انه كان موردا لرضاه واذا كان فيه مهانة للأسلام فلماذا سكت عنه المجتمع قبل وفات السيد الكلبايكاني والذي كان مستشفاه في قم يستقبل اهل التطبير بل خصص لجنة في الحسينية النجفية لتعقيم السيوف وقد كتب على اسعافاته نستقبل الأشخاص المدماة رؤسهم على ابي عبد الله فهل كان فعله تقية ولما لم يتكلم احد في عهده.
وقلت لايتناسب التطبير مع ماقام من اجله الحسين ان كان مرادك من المناسبة التناسب الفقهي فما ذكرت لايتضمن دليلا على عدم جوازه وان كان مرادك عدم التناسب مع العصر فعليك ان تحرم اللطم والبكاء ايضا لأنه لايتناسب مع العصر.
وقلت ـ بدعوى ـ وهذه العبارة يجب ان لاتصدر من مثلك في حق اعلام الأمة الذين يقولون بجوازه لأن هذه الكلمة تشعر بالتوهين وقلت ان العمومات تشهد بخلافه فمن اين هذه العمومات التي ذكرت مع ان فتاوي الأعلام على عدم حرمة مطلق الأضرار ولذا يجوز للأنسان ان ياكل كثيرا وان اوجعته بطنه فليس كل ضرر محرم حتى يمكن لك التمسك بلاضرر.
وقلت يمكن أن يقال بوجود خصوصية لزينب(ع) باعتبارها أخت؛ لأن ذلك مخالف للأوامر الشرعية المحددة لكيفية إظهار الحزن في حال المصيبة بعدم جواز لطم الوجه وخدشه مطلقاً وشق الثوب إلاّ على الأب والأخ. هذه الأوامر لاتجري في حق الحسين لأن الجزع حرام إلا في مصيبة الحسين وقد ورد في ذلك روايات فلا يقاس الحزن على الحسين بغيره.
وقلت هذا الاستدلال تمسك بالعموم الناتج من الفعل والفعل دليل لبي صامت لا إطلاق فيه ليتمسك بعمومه وشموله كما قرر ذلك في محله. نحن نتمسك بنفس الفعل لاباطلاقه حتى تقول انه لااطلاق فيه ولو صح ماتقول للزم منه عدم التمسك باي فعل من افعال المعصوم بدعوى عدم الأطلاق.
وقلت ولا يمكن أن تطرح عمومات الكتاب الكريم والسنة المطهرة والعقل المقتضية لحرمة إيذاء النفس بأي نحو. ماذكرت اول الكلام فراجع كلمات الأعلام.
وقلت فهل يحتمل أن الإمام استشهد من أجل أن نطبّر ونهدر دماءنا. من قال اننا نقول ان الحسين ع قتل لأجل التطبير نحن نقول انها مواساة للحسين وللحوراء زينب وقولك يشبه قول من يقول ان الحسين لم يقتل من اجل ان يبكى عليه ولذا لابد ان لانبكي عليه.
من المخاطر الكبيرة أن يؤخذ ذلك ذريعة لوسم المذهب بما لا ينبغي بل إن في ذلك إعانة للحاقدين لتبرير بعض ألصوقاتهم وأنه لا يتماشى مع معطيات العقل السليم. الجواب عنه كالجواب عن اللطم والبكاء والعزاء فان البعض يقول انها منافية للحضارة والعقل السليم فعلينا ان نحرم اللطم والبكاء مراعاة لهؤلاء.  ارجوا الجواب على نفس العنوان
ـــــــــــــــــــ
وأجبنا بما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
1- إنّ السيد القائد أكفانا مؤنة الجواب عن أول ما ذكرتم فقد سمعته في تلفزيون الجمهورية يقول:" إن الإمام الخميني(قدس) كان مشغولاً عن كثير من مثل هذه الأمور ولو كان الوقت أسعفه قيلاً لأول ما ابتدأ به هو هذا الأمر". راجعوا ذلك بالطلب من إذاعة وتلفزيون الجمهورية الإسلامية في إيران.
على أن الأمر من المسائل الفقهية الخلافية التي لا يضرّ فيها الخلاف المستند إلى دليل للإمام الخميني(قدس) وغيره؛ لأنه ليس من مذهبنا حصر الاجتهاد في أحد. كما لا يخفى.
نعم يبقى أمر مهم وهو أن الحكم بتحريم ذلك من قبل فقيه العصر هل هو من باب الفتوى أو من باب الحكم؟
فإن كان من باب الفتوى جاز لغير مقلديه التطبير، وإن كان من باب الحكم لم يجز ذلك؛ لأن من المعروف من مذهبنا أن حكم الفقيه الجامع للشرائط نافذ على الجميع بما فيهم المراجع العظام ومقلديهم.
2- ثم إن مسألة:" التناسب مع العصر".
لا دخل لها في التحريم وعدمه لأن؛ "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة". وما دمنا نقول بالتحريم لوجود دليله فإنا نقول به دائماً في هذا العصر أو في أي عصر آخر.
وحيث كان التطبير من المسائل الخلافية التي لم يختلف عليها حديثاً فقط وإنما كان الخلاف من القديم وقد وجد في كل زمان مخالف لها كالأميني وغيره.
فإن عبّر بـ :"بدعوى" فإنه لا يلزم أي محذور، خصوصاً في عبارات الفقهاء كما هو واضح لمن لا حظ عباراتهم عند الخلاف.
3- ثم إن اللطم والبكاء لا يمكن حملهما على التطبير إذ أين البكاء واللطم من الجرح والخدش كما لا يخفى.
4- ولقد حدد الإمام الحسين ما قام من أجله وهو:" الأمر بالمعروف ورفض الظالم يزيد بن معاوية لأنه:" وعلى الإسلام السلام إذا بليت براعٍ كيزيد قاتل النفس المحترمة والمعلن بالفسق".
والشارع لأهمية أمر المصيبة وما ربما يفعله المصاب من خلال هيجان العاطفة حدد كيفية خاصة للحزن لا يمكن أن نتخطاها، فحرم لطم الوجه وخدشه وجز الشعر وشق الثوب بل والصراخ الخارج عن حدّ الاعتدال ورتّب الكفارة على فعل ذلك. كما أن البكاء الجائز مشروط بأن لا يكون منافياً للرضا بقضاء الله، فالبكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر المقترن بعدم الرضاء بقضاء الله غير جائز حتماً.
وبعد ملاحظة ذلك يتضح أن أي فعل يعمل من أجل المواساة لا بد أن لا يحيد عن هذه المفاهيم العامة التي حددها الشارع المقدس، ولكي نقوم بفعل من باب المواساة لابد أن نرجع إلى الشرع لنرى ما هي وجهته في ذلك.
وفعل التطبير مواساة يحتاج إلى أن نرجع إلى الشرع والعقل في تحديده كمواساة؛ لأن المواساة عقلاً وشرعاً لها حدودها التي لا يمكن أن نتخطاها، فهل من المعقول عند العرف أن يطبر أحد للمواساة بمصيبة؟
ومادام لا يجوز عند العقلاء فمن باب أولى عند سيد العقلاء.
5- والجزع الذي يعنى عدم الصبر والذي يشار في الروايات إلى النهي عنه إلاّ لأجل الإمام الحسين (سلام الله عليه) ماذا يعني؟
فهل يعني أن الجزع بمعنى عدم الصبر أن يطبر المؤمن، أو أنه يعني أن لا يصبر على الظلم والظالمين ويجاهد بنفسه كما الإمام الحسين ضحى بنفسه من أجل الإسلام والإصلاح في أمة جده؟
لأنه لا يمكن أن يقال بأن عدم الرضا بقضاء الله مطلوب بأي حال من الأحوال إذن للجزع مفهوم عام وهو عدم الصبر، ولا بد أن نحدد هذا المفهوم، فهل هو أن نطبر، أو أن نجاهد ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونقوم بالإصلاح في أمة جد الإمام الحسين الذي ضحى بنفسه من أجل الإسلام والإصلاح في أمة جده؟
ينبغي أن نعي ما قام من أجله الإمام كي نصل إلى الجواب الذي يتناسب مع ما قام من أجله(سلام الله عليه) ؟
6- ثم إن عمومات الأدلة تحرم إن يؤذي الإنسان نفسه كقوله تعالى:" ولا تلقوا بأيديكم في التهلكة". وليس لقاعد:"لا ضرر" فإنها أجنبية عما نحن فيه، وهذا لا يعنى تحريم مطلق الإيذاء، فإنه قد ورد في العمل الذي ربما فيه إيذاء للنفس والبدن خصوصاً في الشتاء:"الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله". الذي يظهر منه الترغيب في العمل.
بل إن ذلك يعني أن الإيذاء يحتاج في الرجوع إلى عدم تحريمه بأن لا يكون مخالفاً لعموم الأدلة. وليس هذا أول الكلام كما ذكر.
7- إن مقتضى ما وصل إليه المحققون هو أن دلالة فعل المعصوم تعنى الجواز وتركه عدم الحرمة. ولا يدل على الاستحباب أو الكراهة إلاّ إذا كان العمل عبادياً أو كان يفعله بنحو ليس من دأب العقلاء فعله كما لو كان مواظباً عليه بشكل مستمر.
ولا يمكن أن يتمسك بنفس الفعل لأنه لا يدل على أكثر من الجواز، فلا معنى للقول بأنا نتمسك بأصل الفعل لا بإطلاقه.
وأما مسألة أن الفعل دليل لبي لا إطلاق فيه فهذا مما لا خلاف فيه. فراجع علم أصول الفقه.
 8- وأما ما ذكرنا من أن فعلها سلام الله عليها خاص بها فإن ذلك من المحتمل كما ذكرنا، ويكاد يكون ذلك أحسن تخريج لما روي أنها شقّت جيبها. والأمر سهل.
9- وما ذكرتم أخيراً اتّضح الجواب عليه من خلال الفقرة رقم(2).
وأخير أسأل الله العلي القدير لكم التوفيق والنجاح، وأن يوفقنا وإياكم للسير على نهج سادات الورى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأرجو منكم أن لا تنسوا خادمكم من صالح دعائكم.
ولكم أطيب التحيات، وأستميحكم في نشر تعليقاتكم وردودها، مع كامل تقديري لجهودكم.
عبدالعزيز المزراق

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 

 



[1][1]( ميزان الحكمة ج 6

[2][2]( من لا يحضره الفقيه

[3][3]( الوسائل ج 10 ص 394

[4][4] مستدرك الوسائل ج10 ص318

[5][5] النحل آية 90

[6][6]( البحار ج44 ص184

[7][7]( ميزان الحكمة ج 6 ص 326

[8][8]( المصدر السابق

[9][9]( البحار ج 44 ـ ومجموعتي للدخيّل

[10][1] ) يراجع قصة أصحاب الكهف ولا سيما مسلسل أصحاب الكهفالذي عرضته المنار ثم قارن بين القضيتين.

 

 

[13][10]( آل عمران 110

[14][11]( آل عمران ـ 104

[15][12]( البحار ج 44 ص 229 ـ 230

[16][13]( ميزان الحكمة ج 6 ص 255 ـ 256

[17][14]( الوسائل ج 11 ص 394

[18][15]( المصدر السابق

[19][16]( المصدر السابق

[20][17]( ميزان الحكمة ج 6 ص 255 و268 و278

[21][18]( المصدر السابق

[22][19]) المصدر السابق

[23][20]( المصدر السابق

[24][21]( العروة الوثقى ج 1

[25][22]( المصدر السابق

[26][23]( المصدر السابق

[27][24]( المصدر السابق

*) الحبر: الحبور هو السرور.

[28][25]( جامع الأخبار  ص469

[29][26]( من لا يحضره الفقيه

[30][27]( مسكن الفؤاد ص 110

[31][28]( الوسائل ج 3 ص 513

[32][29]( مختار الصحاح ص 49 ـ 50

[33][30]( منهاج الصالحين ج ص 243 _ 244

[34][31]( منهاج الصالحين ج 2 ص 243 _ 244

[35][32]( المصدر السابق

[36][33]( منهاج الصالحين ج 2 ص 310

[37][34]( المصدر السابق

[38][35]( الوسائل ج 10 ص 294

 

[39] - قال الإمام الحسين(ع) في وصيته لأخيه محمد ابن الحنفية:"أما بعد فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ...وأسير بسيرة جدي وأبي... وإني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

[40] -  {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين(6) ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين}. الجمعة6-7

 

الصفحة الرئيسية