عبدالعزيز
المزراق
عيد الغدير
والإمامة
ــــــــــــــ
الإمامة
خلافة عن النبي(ص)
وهي رئاسة
عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني نيابة عن النبي(ص).
وهي واجبة
عقلاً لأنها لطف لأن من عرف عوائد الدهماء، وجرّب قواعد السياسة علم قطعاً أن الناس
إذا كان لهم رئيس مرشد مطاع فيما بينهم ينتصف للمظلوم من الظالم، ويردع الظالم عن
ظلمه والباغي عن بغيه، ويحملهم على الوظائف الدينية وقواعد العقل، ويمنعهم من
المفاسد الموجبة لاختلال النظام في أمور معاشهم وعن القبائح الموجبة للوبال في
معادهم بحيث كل يحذر المؤاخذة على ذلك، كانوا مع ذلك إلى الصلاح أقرب ومن الفساد
أبعد، ولا يقصد باللطف إلاّ هذا.
لابد
من حاكم
إن آمال
الشعوب في الحرية الحقيقية والبناء الحضاري والديمقراطية والتناصح والشورى الهادفة
وإن طموحاتها في عدم العبودية والاستبداد والفساد والعدوان على مصلحة الجميع
والانحراف الفكري الذي يخترق التعاليم التي يؤمنون بها والذي هو خروج عن سنة
الحياة، لا يمكن أن يتحقق إلاّ في ظلّ الحكم والنظام الصالح الذي هو وكالة عن الناس
وتجسيم لإرادتهم بحياة مطمئنة بتطبيق ما يؤمنون به ويعتقدون أنه يحقق لهم السعادة
والعدالة ولو بالقوة.
وقيام فرد
أو جماعة بإدارة شؤون الناس ولو كان فاجراً في نظر الإسلام من الأمور الضرورية؛ لأن
سلطة الفاجر لا تخلو من منافع إلى جنب المفاسد بينما الفوضى شرّ كلها إذ انعدام
السلطة يعني الفوضى الماحقة والتعدي على حقوق الآخرين وبالتالي تخيب آمال وطموحات
الشعوب.
ولذا ورد عن
الإمام الرضا(ع):"إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ
المؤمنبن".
وكل الناس
في جميع العالم تأمل ذلك اليوم الذي تعيش فيه العدالة والسعادة وهذا هو الهدف الذي
من أجله بعثت الأنبياء ليسود العدل والسعادة للناس، قال تعالى:{إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} النساء58.
إمامة
أهل البيت
مودة
أهل البيت أجر الرسالة
قال الإمام
الصادق(ع):"إن الأنصار جاءوا إلى رسول الله(ص) فقالوا يا رسول الله: إنّا كنا
ضلالاً فهدانا الله بك، وعيلةً فأغننا الله بك، فاسألنا من أموالنا ما شئت فهو بك،
فأنزل الله:{قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى}".
في دعاء
الندبة([1]) استدلال قرآني فريد
لإثبات ذلك بأخذ ثلاث آيات كمقدمات توصل إلى ذلك.
الأولى منها
تحدد أن أجر الرسالة هو مودة أهل البيت(ع): {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة
في القربى}.
والثانية
تأكد على أن منفعة ما سأله(ص) أجراً للرسالة تعود عليكم:{قل ما سألتكم من أجر فهو
لكم}.
والثالثة
تثبت أن مودة واتباع أهل البيت(ع) التي سألها(ص) أجراً للرسالة هي السبيل والطريق
إلى رضوان:{قل ما أسألكم عليه من أجر إلاّ من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}.
ففيه:"
وجعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودتهم في كتابك فقلت:{قل لا أسألكم عليه أجراً
إلاّ المودة في القربى}.
وقلت:{قل
ما سألتكم من أجر فهو لكم}.
وقلت:{قل
ما أسألكم عليه من أجر إلاّ من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}.
فكانوا
هم السبيل إليك والمسلك إلى رضوانك".
وفيه
أيضاً إشارة بيعة الغدير لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(ع)، وما خلده التاريخ من
عبارات مشهور لرسول الله(ص) بهذه الحادثة المتواترة التي يزيد رواتها على السبعين
راوٍ.
من
قبيل:" فلما انقضت أيامه أقام وليه علي ابن أبي طالب صلواتك عليهما وآلهما هادياً
إذ كان هو المنذر ولكل قوم هاد، فقال والملأ أمامه:" من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم
والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وقال من كنت أنا نبيه
فعلي أميره ".
وفيه
بيان لمقام هذا الإمام وما امتاز به على غيره من خصوصيات ذاتية وصفات كمالية وروح
سبّاقة إلى حب الخير والإسلام ونفس مستودع لحكمة رسول الله(ص) مجاهدة لا تعرف الملل
والكسل في إعلاء كلمة الله ولا تأخذه في الله لومة لائم.
من
قبيل:" وقال أنا وعلي من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتى، وأحله محل هارون من
موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، وزوّجه ابنته سيدة نساء العالمين، وأحلّ له من مسجده ما
حلّ له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه، ثم أودعه علمه وحكمته فقال: أنا المدينة العلم
وعلي بابها فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها، ثم قال أنت أخي ووصي ووارثي
لحمك من لحمي ودمك من دمي وسلمك سلمي وحربك حربي والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط
لحمي ودمي، وأنت غداً على الحوض خليفتي وأنت تقضي ديني وتنجز عداتي، وشيعتك([2])
على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي في الجنة وهم جيراني، ولولا أنت يا علي لم
يُعرف المؤمنون بعدي وكان بعده هدى من الضلال ونوراً من العمى وحبل الله المتين
وصراطه المستقيم لا يسبق بقرابة في رحم ولا بسابقة في دين ولا يلحق في منقبة من
مناقبه يحذو الرسول صلى الله عليهما وآلهما، ويقاتل على التأويل ولا تأخذه في الله
لومة لائم، قد وتر فيه صناديد العرب وقتل أبطالهم وناوش ذؤبانهم، فأودع قلوبهم
أحقاداً بدرية وخيبرية وحنينية وغيرهن، فأضبت على عدواته وأكبت على منابذته حتى قتل
الناكثين والقاسطين والمارقين، ولما قضى نحبه وقتله أشقى الآخرين يتبع أشقى الأولين
لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله في الهادين بعد الهادين والأمة مصرة على
مقته مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلاّ القليل ممن وفى لرعاية الحقّ فيهم فتل
من قتل وسبي من سبي وأقصي من أقصي وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة إذ كانت
الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وسبحان ربنا إن كان وعد ربنا
لمفعولاً ولن يخلف الله وعده وهو العزيز الحكيم".
وفيه أيضاً
إشارات إلى بعض خصائص أهل البيت(ع) وندبة الإمام محمد ابن الحسن(ع).
حبّ
أهل البيت أساس الإسلام
ودائماً
عندما تطلب المودة أو الحبّ لأهل البيت فإنه يراد به اتباعهم في طاعة الله وهذا مما
يؤكده روايات كثيرة كقولهم(ع):"ما شيعتنا إلاّ من أطاع الله".
وقال
رسول الله(ص):"الإسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروءته العمل الصالح،
وعماده الورع، ولكلّ شيء أساس وأساس الإسلام حبّنا أهل البيت".
ولا
يحتمل أن يحظى بنتائج الإسلام بالسعادة في الدنيا وبالجنة في الآخرة من هو بعيد عن
تعاليم هذا الإسلام الذي لباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروءته العمل الصالح،
وعماده الورع، يتحصل عليه عاصٍ، لمجرد أنه يدعي أنه يحبّ أهل البيت وهو عاصً؛ لأن
أهل البيت وصلوا إلى أن الكمال والسعادة إنما هي في طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا
توجد عندهم عداوة لأي أحدهم وعدوهم هو من لا يطيع الله وإلاّ فهم مشفقون على جميع
الناس فهذا هو الحسين(ص) يبكي على من سيقتلونه ليلة العاشرة من المحرم وعندما تسأله
أخته زينب يجيبها:"ما لنفسي بكيت وإنما أبكي لهؤلاء القوم يدخلون النار بقتلي.
تعصي
الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في
الفعال بديع
...
إن المحبّ لمن أحب مطيع.
قيمة
معرفة أهل البيت
وهذا
كسابقه فإن التعرف عليهم بدون اتباعهم وجعلهم قدوة في طاعة الله لا قيمة له كما
يشهد لذلك العقل والذوق السليم وكثير من الروايات كمن زار الحسين عارفاً بحقة وجبت
له الحنة؛ فإن المعرفة الحقة للعمل والاتباع لا لمجرد البعث والاطلاع.
قال
رسول الله(ص):"معرفة آل محمد براءة من النار وحبّ آل محمد جواز على الصراط والولاية
لآل محمد أمان من العذاب".
ومن
الإطلاق في هذا الحديث يستفاد أن ولايتهم أمان من العذاب في الدنيا والآخرة،
فالرسول(ص) يقول: إن الحياة السعيدة التي يفتش عنها كل الناس إنما يتحصلون عليها
بولاية أهل البيت عليه السلام؛ لأن أهل البيت إذا حكموا سيطبقون أحكام الإسلام
وباتباع أحكام الإسلام حتماً ستكون عند المطبق لذلك براءة من النار وسيجوز على
الصراط إذن فمعرفة آل محمد براءة من النار وحبّ آل محمد جواز على الصراط والولاية
لآل محمد أمان من العذاب كما قال(ص).
حضارة
الإسلام
التحذير
من ترك معرفتهم
قال
رسول الله(ص):"من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية".
وعنه(ص):"من
مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".
وعن
الباقر(ع):"من مات وليس في رقبته بيعة لإمام مات ميتة جاهلية".
وعنه(ص):"من
مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وحوسب بما عمل في الإسلام".
وعنه(ص):"من
مات بغير إمام مات ميتة جاهلية".
إلى
مئات الروايات في ذلك التي اتّفق المسلمون على صحتها والتي جاءت لتؤكد أن الموت بلا
بيعة لإمام ميتة جاهلية وذلك لأجل الإنذار والتحذير من ترك التمسك بولاية أهل البيت
عليهم السلام لا غير.
وما
الانقلاب على الأعقاب في قوله تعالى:{وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن
مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والرجوع إلى الجاهلية والخرافات إلاّ بسبب التخبط
والابتعاد عن ولاية أهل البيت عليهم السلام.
معنى
الجاهلية
والحضارة
لابد
من بيان المقصود من عصر الجاهلية فقد طرح القرآن الكريم وكذلك الأحاديث والروايات
على لسان الرسول(ص) وعلى لسان الأئمة(ع) الفترة الزمنية قبل بعثة الرسول(ص) بأنها
عصر الجاهلية عصر جهل وضلال وخرافات وظلم، وطرح في مقابل ذلك عصر ما بعد البعثة على
أنه عصر علم وهداية وتفكير وتعقل، وكانت قوانينه وعقائده موائمة لموازين العقل
والعلم حيث كان من أهم مسؤوليات الرسول(ص) محاربة الخرافات والأباطيل على مستوى
العقيدة والعمل واستجلاء الحقائق وبيانها، وكان(ص) يحذر الناس وينذرهم من اتباع ما
يرفضه العقل السليم وتمجه الفطرة غير الملوثة ويأباه العلم، قال تعالى"{ولا تقف ما
ليس لك به علم}.
وكثيراً
ما ينفر الرسول(ص) والأئمة من بعض العادات بنسبتها إلى الجاهلية وكأن النسبة إلى
الجاهلية أكبر رادع عن تلك العادة، وأشد ما يخشاه المسلم.
ومن
جملة المصاديق التي حذّر منها في القرآن الكريم بنسبتها إلى الجاهلية أمور:
1-
السفور والتبرج فقال تعالى:{ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.
وهو
مشعر بأن السفور والتبرج عمل خالٍ من التعقل وبالتالي هو عمل غير حضاري وغير مدني،
وأمّا الصيحات الجديدة التي تصف التبرج والسفور بالمدنية والحضارة فما هي إلاّ من
أناس محتالين جهلة يريدون أن يخدعوا المرأة ويلبّسوا عليها الأمر بحيلهم كي يصلوا
إلى رغباتهم وشهواتهم الحيوانية، وما هم إلاّ أناس مبهورن بالغرب صاحب جاهلية هذا
الزمان، وأين هم عن كلام رب العالمين العالم بما يصلحهم وما يصلح لهم:{ولا تبرجن
تبرج الجاهلية الأولى }.
فأي
مدينة وحضارة في السفور بعد كلام العزيز الحكيم الكاشف عن جميع المصائب والبلايا
التي يتعرض لها المجتمع وبخصوص المرأة بسبب السفور بهذا التعبير الوجيز:{ ولا تبرجن
تبرج الجاهلية الأولى}.
وكفى
بذلك رادع لكل من وصف نفسه بأنه عاقل مثقف حضاري مدني من حكيم خبير.
2-
الحكم بغير ما أنزل الله حيث نسبه إلى الجاهلية لما فيه من الظلم وعدم التعقل
فقال:{أ فحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يعقلون}.
فالعاقل
هو من لا يحيف عن حكم الله سبحانه وتعالى لما يمتاز به الحكم الإلهي من موائمة
للعقل وأحكامه وعدم الظلم إطلاقاً.
ومن
جملة المصاديق التي حذّر منها النبي(ص) وأهل بيته(ع) بنسبتها إلى الجاهلية أمور:
1-
عدم كتابة الوصية حيث حثّ المسلمين على الوصية وردعهم عن ترك كتابتها بنسبة الموت
بلا وصية إلى الجاهلية فقال(ص):"من مات بلا وصية مات ميتة جاهلية" ولا أحد من
المسلمين يرغب في الجاهلية عصر الخرافات والجهل والظلم أو أن يموت عليها بعدما فرّ
منها باعتناقه الإسلام الذي أبعده عن العبودية بمفاهيمه العالية الموائمة للعلم
والفطرة والعقل.
2-
الأكل عند أهل المصيبة حيث أبرز لنا المخاطر والمساوئ التي تلحق من جراء ذلك فقال
الإمام الصادق:"الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية، والسنة البعث إليهم
بالطعام كما أمر النبي(ص) في آل جعفر بن أبي طالب(ع) لما جاء
نعيه()"([3]).
وهذا
اللسان الشديد اللهجة لهذه الروابة يظهر أن كراهة الأكل عند ذوي المصيبة مغلظة جداً
لأنها من عادات الجاهلية ولابد من أن تحارب كما حوربت بعض العادات الجاهلية الأخرى
التي لم يرتضها الإسلام لما فيها من منافاة لمكارم الأخلاق إذ ليس من الخلق أن تثقل
عاتق أهل المصيبة بشؤون الضيافة مع ما هم فيه من المصاب والحال أن المطلوب هو
التسلية والمواساة وذلك أبعد ما يكون عن المواساة التي هي من مكارم الأخلاق التي
بعث(ص) من أجل إتمامها.
وليمة
الفاتحة عمل غير حضاري
وحيث كانت
الجاهلية تعني عدم الحضارة فنسبة ذلك إليها مشعر بأن ذلك العمل غير حضاري وخالٍ من
التعقل والفكر؛ لأن الجاهلية معناها عدم الحضارة والفكر والتعقل، فنظرة واحد على
حديث المناهي الذي نهى رسول الله فيه عن بعض عادات أهل الجاهلية كالنهي عن بيع
الحصى ونكاح الشغار .. الخ، تجد أن تسمية تلك الفترة بالجاهلية إنما هو لعدم وجود
الفكر والتعقل عندهم فإن بيع الحصى فيه من الغرر والجهالة بالمبيع ما يتحسر عندها
كل صاحب شعور.
وهكذا ما
نحن فيه من الأكل عند أهل المصيبة، فنسبته إلى الجاهلية مشعر بأنه خالٍ من الفكر
والتعقل، وكفى بالضرر والعسر والحرج الذي يقع فيه أغلب الناس من أهل المصيبة شاهد
على ذلك.
والنتيجة هي
أن الحضارة المنشودة إنما هي بولاية أهل البيت(ع)؛ لأنا عندما نلاحظ نسبة الرسول(ص)
والأئمة(ع) الموت بلا بيعة لإمام إلى ميتة الجاهلية يتضح أن إرساء الحضارة
الإسلامية لا يمكن أن يتمّ إلاّ بولايتهم(ع)، وأن عدم معرفة الإمام ومبايعته انقلاب
على الأعقاب ورجوع إلى الجاهلية والخرافات، وأن عصر العلم الذي بزغت شمسه ببعثة
النبي(ص) لن يستمر في أي عصر إلاّ بمعرفة المسلمين إمامهم وإقتدائهم به ومبايعتهم
إياه.
وليعلم أن
إمامة أهل البيت(ع) وإتباعهم هو الضمان الوحيد لاستمرار عصر العلم والفكر والتعقل،
وأن الابتعاد عنهم صلوات الله وسلامه عليهم سيؤدي بالناس إلى ما كانوا عليه من
جاهلية قبل الإسلام كما قال تعالى:{وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن
مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}.
فإنّا لو
سألنا إمامة من هذه التي تضمن استمرار عصر العلم والإسلام الأصيل والابتعاد عنها هو
تراجع إلى زمان الجاهلية؟!!!
والجواب:
الذي لا يمكن أن يدعى أحد غيره هو إمامة أهل البيت(ع)، وإن حاول أئمة الجور في طول
التاريخ الإسلامي أن يستندوا إلى حديث رسول الله(ص):"من مات وليس في عنقه بيعة مات
ميتة جاهلية" لتثبت أركان حكومتهم وتبرير وجوب إطاعة الناس لهم، غير أن من الواضح
أن ذلك تلاعب بالألفاظ لا سوء اسنباط أو نقص دراية.
يقول ابن
أبي الحديد: إن عبدالله بن عمر امتنع من بيعة علي(ع)، وطرق على الحجاج بابه ليلاً
ليبايع لعبد الملك كي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام؛ زعم لأنه روى عن النبي(ص) أنه
قال:"من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية"، وحنى بلغ من احتقار الحجاج له واسترذاله
حاله أن أخرج رجله من الفراش، فقال: اصفق بيدك عليها([4]).
نعم إن من
لا يبايع أمير المؤمنين علياً(ع) لأنه لا يعده إماماً لابد أن يرى عبدالملك بن
مروان إماماً يوجب ترك بيعته الكفر والعود إلى الجاهلية.
ولابد أن
يصفق تحت جناح الظلام خفّة وصغاراً على رجل عامله السفاح الحجاج بن يوسف الثقفي.
وهكذا ترى
ما وعد الرسول والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام واضحاً جلياً لمن مات وليس في
عنقه بيعة لأئمة أهل البيت(ع) فتجده يرتطم في الخرافات والمتاهات والذلة إلى أن
يؤول به الأمر إلى أن يرى أن إمامه الذي إن لم يبايعه مات ميتة جاهلية وأن مناوأته
توجب الكفر والارتداد هو يزيد بن معاوية الذي كم جنت يداه بحق الإسلام وعترة
الرسول(ص).