عبدالعزيز
المزراق
مشكلة
وتحقيق
دراسة،شرعية،
اجتماعية، موضوعية، لعلاج مشكلات بعض الولائم وبالأخص وليمةالعزاء على روح المتوفى،
ووليمةالنكاح، ووليمة العزاء الحسيني.
الإهداء
بمناسبةالابتداء
بهذا البحث قرب ذكرى مولدكالشريف يا أمير المؤمنين وسيّدالبلغاء
والمتكلمين.
وبمناسبة
الانتهاء قرب ذكرى تتويجكبالإمامة العزيزة على قلوب محبيك يامولى الموحدين، أهدي
إليك وإلى أخيكوزوجك وإلى الأئمة من ولدك، هذاالمجهود المتواضع راجياً منكم
القبولبلطف كرمكم الواسع .
عبدالعزيز
تقديم
العلامة الكبير الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي
أن
يعيش المبلغ الديني وسط الحياة الاجتماعية، ويتفاعل مع أحداثها، متعرفاً من خلالها
لما تفرزه من مشكلات، ولما تسببه تلك المشكلات من عوائق أمام مسيرة التغيير إلى ما
هو أفضل، ومن تأخر في عملية الإصلاح الاجتماعي، لأمر مفروض على كل مبلغ ديني، أوجبه
عليه التشريع الإسلامي، عبر وسيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(، وعن طريق وظيفة المبلغ نفسه )وما
كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(، )ولتكن
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم
المفلحون(.
ثم
أن ينطلق المبلغ الديني بعد تعرفه للمشكلة بدراستها في إطارها الاجتماعي، ووضع
الحلول الشرعية لعلاجها، فالوقاية من الوقوع فيها مرة أخرى، لأمر ينبع من صميم
تكليفه الشرعي.
ذلك
أنّ وسائل وأساليب التبليغ تختلف باختلاف الظروف واختلاف معطياتها من خلال النظرة
إلى الواقع الاجتماعي.
ويتوصل
المبلغ إليها عن طريق متابعته لتطورات الحياة الحضارية والأخرى
المدنية.
والمشكلة
ـ أية مشكلة ـ وفي ضوء ما يمليه المنهج التجريبي المعاصر إن أردنا أن نتعامل معها
لعلاجها بوضع الحلول لها، علينا أن نتبع الخطوات التالية:
1ـ
تحديد المشكلة.
2ـ
معرفة عوامل وقوع المشكلة.
3ـ
معرفة آثارها السلبية على المجتمع.
4ـ
وضع العلاج للقضاء عليها.
5ـ
وضع الحلول البديلة للوقاية من وقوعها ثانية.
ودور
المبلغ الديني هنا أن يدرس المشكلة في تحديدها وعلاجها من خلال المعطيات الاجتماعية
والتعليمات الشرعية.
والمشكلة
التي تناولها فضيلة العلامة الشيخ المزراق في دراسته هذه، هي مشكلة اقتصادية ـ
شرعية.
اقتصادية
لأنها ترتبط بالثروة المالية، وبظاهرة توزيعها، تلك الظاهرة التي إن أسيء التعامل
معها بأن كان التوزيع ذا ضرر فردي أو اجتماعي، تحولت إلى مشكلة اقتصادية يطلق عليها
(سوء التوزيع).
وهي
شرعية لأننا كمسلمين علينا أن نلتزم أحكام شريعتنا في توزيع الثروة، والتصرف
بالمال، تلكم الأحكام التي تهدف دائماً إلى أن يكون التوزيع عادلاً لا ينجم عنه أي
حيف، والتصرف بالمال تصرفاً سوياً لا يميل منحرفاً إلى هنا أوهناك فينتج عنه الضرر
بما ينهي إلى حدوث المشكلة.
وهذا
ما أدركه المؤلف الفاضل فانطلق في دراسة المشكلة ووضع حلولها مستمداً ذلك من الواقع
الاجتماعي، وفي هدي التشريع الإسلامي.
وقد
وفّق في طريقة البحث، وفي النتائج التي توصل إليها، وإذ أبارك فيه هذه الخطوة
الخيرة التي راد فيها هذا النمط من البحث، وأعني به دراسة مشكلاتنا المعاصرة
اجتماعياً وشرعياً، أدعو أبناءنا الأعزاء من زملائه المبلغين الدينيين أن يدخلوا
المجال الذي دخله رائداً فأعطى وبحثه ناقداً فأوفى.
وكذلك
أدعو إخواني المؤمنين أن يستجيبوا لدعوته بالالتزام بحكم الله تعالى في هذا التصرف
المالي غير السوي، ليستفاد من توظيف هذه الأموال في ما يفيد وينفع، ولنتعاون معه
ومع أمثاله ممن يريدون الخير والصلاح في بناء مجتمعنا مصمماً وفق هدي الإسلام
العادل.
والله
تعالى ولي التوفيق وهو
الغاية
عرضتكتابي
هذا على أستاذي الكبير سماحة آيةالله الشيخ باقر الإيرواني(دام ظله)الذي طالما
غمرنا بخلقه الكريموأفادنا بعلمه الغزير وأسلوبه الرائعفي البيان ، فتفضل سماحته
عليّ بكتابكريم أعتزّ به لتقديره هذا البحث ويحقّلي أن أزيّن به كتابي
هذا.
فشكراً
جزيلاً لمقامه الكريم أطالالله بقاءه الشريف.
كماأخصّ
بالشكر والتقدير سماحة العلامةالكبير الدكتور الشيخ عبدالهاديالفضلي لتفضله
بالتقديم لهذا الكتاب ...حفظه الله ورعاه وأبقاه لنا علماًهادياً ومرشداً
موجهاً.
كتاب كريم
تفضل
به سماحة آية الله الشيخ الأُستاذ: باقر الإيرواني
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين وصلى الله على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
عرض
عليّ أخي العزيز الفاضل الشيخ عبد العزيز المزراق حفظه الله تعالى كتابه الجليل
((مشكلة وتحقيق)) فرأيته بكراً حدود إطلاعي في هذا المجال، فالفقهاء قد يشيرون هنا
وهناك إلى بعض الأحكام والفتاوى المرتبطة بالموضوع المذكور بيد أنه ليس لهم بحث
متكامل كالذي قام به أخونا الشيخ.
ونحن
إذ نبارك له هذه البادرة الفريدة نلفت الأنظار إلى أن السلوك الاجتماعي اتجاه من
حلت بهم المصيبة ذو شكلين في حدود ملاحظتنا الضيقة، ففي الأول يحاول الأقرباء أو
الأصدقاء والجيران تهيئة الطعام والقضايا اللازمة الأخرى لأهل الميت وفي الثاني
يقوم من ذكرناهم بزيارة صاحب المصاب والبقاء لديه فترة طويلة أو قصيرة كتسلية له
غافلين أو متغافلين عن كون ذلك تشديداً للمصاب من وجهةٍ ثانية، فإلى جانب المصيبة
التي حلت به يصير مثقلاً بالأتعاب والجهود التي يقدمها للضيوف بل والقروض التي يقوم
بها من هذا وذاك في سبيل حفظ ماء وجهه وهل يرضى عاقلٌ أومن له أدنى وجدان بذلك؟!!!
ونحن
إذ نضم صوتنا إلى صوت شيخنا العزيز ونشجب مثل هذه العادات التي لا تمت إلى الإسلام
بصلة نرى أنّ القضية أوضح من أن تحتاج إلى تجميع النصوص لإثبات صواب الشجب، وهل من
عاقلٍ يرضى وجدانه بإثقال كاهل صاحب المصاب بالأتعاب والقروض، إنّ الإسلام يدعو إلى
التخفيف عن المؤمنين خصوصاً عند المصيبة ولا يحتمل رضاه بالعكس.
والبدائل
المقترحة من أخينا في الفصل الثاني جاءت في موقعها المناسب.
نسأل
الله سبحانه أن يوفق إخواننا المؤمنين للتنبه إلى مثل هذه الغفلة ويأخذ بأيديهم إلى
الرشاد، إنّه سميع مجيب.
1/ذي
الحجة/1416هـ
مقدمة
الطبعة الثالثة
بسم
الله الرحمن الرحيم
لأن
ما نبحثه يتعلق بوضع يلاحظ يومياً ولأن ما يقع فيه الناس من العسر والحرج دائم بشكل
استمراري فإن البحث والتساؤل حول هذه القضية من الطبيعي أن يكون دائماً بشكل
استمراري.
ولأن
هذا الكتاب هو الذي يتعرض للقضية بشكل مباشر وصريح ولأنه الوحيد في هذا الباب فإن
الطلب عليه من الطبيعي أن يكون كثيراً.
ولأني
كنت أعتذر كثيراً لمن يراجعني ويطلب نسخة من الكتاب بأنه لا توجد عندي أي نسخة منه،
إلاّ أنه مع ذلك توالت عليّ الطلبات ففكرت أن أعيد النظر في تنسيق الكتاب مرة أخرى
فأخذت بالنظر فيه وأصلحت بعض الأخطاء المطبعية والتنسيقية وبعض الإضافات والتعديلات
الضرورية، وأرجو أن يخرج مجدداً بحلة جديدة ويساعد في إعطاء نموذجٍ خيّرٍ في علاج
هذه المسألة.
هذا
وما أريد أن أضيفه في هذه المرة هو نقل إحصائيات عن ما يصرف في كل سنة في ولائم
الفواتح على مستوى الأحساء والقطيف، فقد نقل الأخوة المحصون أن ما يصرف يزيد على
خمسين مليون ريال سعودي سنوياً (50,000000 ريال).
ونحن
قد قمنا بإحصاء لقرية صغيرة في الأحساء بعد أخذ عدد المتوفين على مدى ثمان سنوات
والتي كان يتراوح عدد المتوفين فيها بين (25) إلى (30) متوفى سنوياً، وكان المتوسط
الحسابي الذي أجرينا عليه حساب التكلفة هو (15,000) ألف ريال، وإن كان بعضهم يصرف
أقل من ذلك والبعض الآخر أكثر، فكانت التكلفة تتراوح بين (360,000ريال) إلى
(450,000ريال) سنوياً، هذا في قرية صغيرة ولا تصنع فيها إلاّ وليمة واحدة فما بالك
بالبلاد التي تصنع ولائم ليلاً ونهاراً، وما بالك بالبلدان التي تصنع لمدة سبعة
أيام!!!
هذا
المبلغ لو كان هناك تنسيق له لَكَمْ قضينا على حالات الفقر في مجتمعنا ولَكَمْ
زوّجنا عزّاباً من أبنائنا ولَكَمْ بنينا منازل تأوي محرومينا ولَكَمْ ساهمنا في
تشيد الدين ببناء المدارس والحوزات والمساجد والحسينيات ونشر الكتب وتكثير الأشرطة
و.. و...
ضاع
المال بإعداده لمجموعة قليلة تأكله وانتهت منافعه بمجرد ما غسل الآكلون أيديهم!!
زكاة
الفطرة مصداق جلي لنجاح توزيع الأموال على فقراء البلد من حيث عدم جواز إخراجها إلى
غير بلد الوجوب واستفادة أهالي البلد الفقراء منها بشكل مباشر فإنه وإن عانى بعض
المحتاجين لتحصيل الزكاة أو الخمس من تحصيله بسهولة إلاّ أن الأمر في زكاة الفطرة
ليس كذلك، فكل متولٍ من أهالي البلد يعرف أهل بلده فقيرهم وغنيهم، وحيث يده مبسوطة
في هذا المورد فإنه سينعش فقراء بلده.
لو
تصدى كل مصلح من كل قرية أو محلة لأخذ هذه الأموال التي تصرف في وليمة الفاتحة
وساهم بها في تزويج عزّاب أهل محلته أو قريته أو ساهم في ترميم منازل فقراء محلته
أو ساهم في بناء المساجد والحسينيات والحوزات، فماذا سنجني؟!
لقد
سمعنا بعض الفقراء يمدح بعض المشايخ لاهتمامه بفقراء بلده عندما تتوفر له بعض
الأموال من الزكاة.
الأمر
في زكاة الفطرة هيّن، ولكن أَ لم يئن للمصلحين أن يفكروا بجدية في مسألة ولائم
الفواتح؟!
في
حين عدّ هذه القضية من عادات أهل الجاهلية أكبر رادع لكل عاقل، فإن فترة ما قبل
الإسلام إنما سُميت جاهلية نسبة إلى الجهل وعدم التعقل في قوانينها وعاداتها
وسننها.
هذه
المسألة لها مستقبلها ولكن آمل أن نسمع قريباً بفضل جهود المصلحين أخباراً سارة حول
هذه القضية، والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
25/شوال/1419هـ
مقدمة
الطبعة الثانية
لله
الحمد والمنّة وله الشكر على ما رزق وألهم.
عندما
أصدرت الطبعة الأولى وصلتني رسالة من أحد المؤمنين تحت عنوان (قارئ لكتابكم) عبّر
فيها صاحبها عن رضاه وتأييده وضمّنها بعض المقترحات مثل أن الخطاب لم يوجه إلى
النساء وبعض عاداتهن الخاصة، وبعض المقترحات الأخرى.
وأنا
بدوري أقول له بأن الخطاب ليس محصوراً بالرجال وعاداتهم بل هو شامل لكل مكلف مهما
كان.
كما
دار النقاش مع بعض طلبة العلم والذين بدورهم أعربوا عن تأييدهم ورضاهم عن البحث
واقترحوا مناقشة بعض العادات الأخرى مثل العادة المعروفة عندنا بـ(الختمة) وهي
عبارة عن ختم القرآن في يوم الأربعين للميت أو بعد مرور سنة أوكل ما أراد ذووه
إرسال الثواب لميتهم؛ فلأنه قد يقع الإسراف بواسطة هذه العادة أيضاً كما ذكروا ذلك
في بعض شواهدهم مما يحدث في بعض البلدان اقترح بعضهم حلاً بديلاً لهذه العادة مثل
أن تُوْكَل قراءة هذه الختمة لأسرة فقيرة ويدفع لها عوض ذلك مبلغ من المال وبالطبع
سوف يكون أقلّ بكثير مما يصرف على ما يسمى بالختمة.
وبهذا
نكون قد أوصلنا الخير المضاعف إلى المتوفى، فإلى جانب ثواب قراءة القرآن انتشلنا
أسرة من تحت أنياب الفقر.
دور
طالب العلم
في
الآونة الأخيرة حُلّت مشكلة التطبير فبعد الفتوى بتحريمه من قبل ولي أمر المسلمين
زال هذا الأمر الذي هو من مبتدعات أوهام بعض المحبين.
وفي
بعض القرى استطاع طالب علم بمفرده أن يقطع هذه العادة في حين عجزنا نحن المؤيدين
لقلعها عن ذلك؛ والسبب في نظري يرجع إلى طالب العلم أيضاً.
فطلاب
العلوم الدينية لو أردنا تصنيفهم لرأينا بعضهم يريد أن يرقى بالمجتمع إلى قمة
الثقافة والسعادة في الدنيا والآخرة، فيسلك كل ما من شأنه أن يوصل المجتمع إلى ذلك
حتى لو كان ذلك على حساب راحته ووقته.
وبعضهم
الآخر يحاول أن يكسب رضى المجتمع بل قل رضى بعض فئات المجتمع بقدر الإمكان حتى لو
كان ذلك يؤدّي إلى المصادمة مع طالب علم آخر.
ويبرر
موقفه بأن عدم التّهور من الفطنة ويكسب رضى المجتمع، وهذه حالته إلى أن يموت.
مات
وكسب رضى المجتمع والمجتمع على حاله لم يتغيّر.
طالب
العلم طبيب المجتمع وعوام الناس لا تعرف دواءها وما يصلح لدائها فربما يفرّ من
الدواء المرّ وهو الذي فيه الشفاء.
ومجاراة
بعض فئات المجتمع إلى حدّ ما قد تكون
من الفطنة والتعقّل ولكن هذا لا على حساب أن لا نعطيه دواءه ونحن نعلم ما يضرّه.
وفئات
المجتمع ترى في طالب العلم السيد المطاع ما لم تتصادم السادة، فإذا لم هناك اتّفاق
من قبلهم فلا تتوقع الوِئام والوفاق بين أفراد المجتمع على فكرة واحدة.
إنا
لا ندعو إلى محاربة كل عادات المجتمع فهذا خطأ محض لأن هناك بعض العادات في بعض
المجتمعات الإسلامية يفتخر بها كل امرئ غيور والإسلام يدعو إليها ويحبذها، ولكن
ندعو إلى ما دعوا إليه (صلوات الله وسلامه عليهم) غيّروا عاداتكم تسهل أموركم.
فما
أوقعنا أنفسنا فيه من المشقة والعسر والحرج نستطيع أن نتخلص منه بتغيير عاداتنا إلى
ما لا يوجد فيه عسر ومشقة.
وأخيراً
أشكر جميع المؤمنين وبالخصوص طلبة العلوم الدينية الذين حاولوا أن يرفدونا في علاج
هذه المشكلة بسبلٍ شتى مثل أن لا يحضر هذه الولائم بل وبإظهارهم عدم القبول والرضى
بذلك.
ولابدّ
أن نؤكد على أن ما نريد علاجه يرتبط بناحية عملية لذا لا يكفينا التأييد وإظهار
الرضى عن البحث نظرياً فالمرجو أن نعمل سوياً أكثر من ذي قبل حتى تلاقي الفكرة
دورها العملي.
المؤلف
الأحساء
في 11/11/1417هـ
مقدمة
الطبعة الأولى
أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم
بسم
الله الرحمن الرحيم
والحمد
لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، اللهم وفّقنا لمراضيك
وجنبنا معاصيك وبعد:
المشكلة
التي نريد بحثها هي (مشكلة وليمة العزاء على روح المتوفى).
وأوّل
ما تبدأ هذه المشكلة من التوصية بها، فكان من المناسب أوّلاً: بحث ما يجب في الوصية
وما ينبغي وما لا ينبغي فيها.
وثانياً:
بحث مسألة الإطعام.
وثالثاً:
بحث بعض مشاكل الولائم الأخرى التي لها تعلّق ببحثنا لكونها بعض مشاكل
المجتمع.
والوصية
من الأمور الضرورية في الإسلام ولا شك في مدى ما لها من أهمية عقلاً وشرعاً،
فبواسطتها يستطيع الإنسان أن يتدارك ما فاته ويخلص ذمته مما عليها من واجبات، ولكن
الاعتبار بماذا يوصي الإنسان كي تؤدي الوصية دورها المطلوب منها على أتم وجه؟، فما
هو المعتبر والمطلوب حتى يوصي به؟، فهل أن الوصية بأي أمر، ومهما كان وزنه من حيث
الأهمية يحقق الهدف المراد من وراء الوصية؟،أو أنه لابد من تحديد الأمور التي ينبغي
أن يوصى بها؟.
لا
ريب أن الوصية بأي أمر لا تحقق ذلك، فلو أخذنا على سبيل المثال الوصية بوليمة
العزاء (التي هي ما نريد أن نعالجه من خلال هذا البحث) ولاحظنا بعين البصيرة،
وأردنا أن نأخذ منها الفوائد العائدة بالنفع على الموصي والمجتمع، فماذا يا ترى
سنجد؟.
سنجد
أنها لا تعود على أكثر أهل المصيبة إلاّ بالخسران والتعب والضرر المالي والنفسي
اللاحق لهم من جرّاء الديون والقروض التي اقترضوها من هذا وذاك، لحفظ ماء
وجوههم.
إن
الإسلام لا يرضى بالضرر لأحد فقد قال(ص):((لا ضرر ولا ضرار)).
ولما
رأيت أن الوليمة على روح المتوفى في مجلس عزائه من الأمور التي تعود بالضرر على
كثير من أهل الأموات خصوصاً متوسطي الدخل فضلاً عن الفقراء، دعاني ذلك أن أبحث عن
مستند شرعيّ لهذه العادة، مع أن شناعتها وشدتها في الحرج أوضح من أن تخفى، وقد
حاولت دراستها من وجهة شرعية واجتماعية، فتناولت النصوص الشرعية في ذلك، وقمت
باستقراءٍ ناقص أو ما يسمّى (بالبحث الميداني) لأرى مدى تفاعل المجتمع مع هذه
القضية، فكانت نتيجة هذا الاستقراء المفيد للاطمئنان؛ (لأنه قائم على أساس معرفة
السبب) أن الكل متأذٍ من هذه الظاهرة ويشجبها ويدعو لقلعها واجتثاثها من جذورها،
وكانت من جملة الآراء أنه لابد من وجود قدوة يقتدى به في قلع هذه العادة، إذ من
الصعب على الفقير أن يبتدئ بقطعها، لما سيلحقه من ذمٍ، ولما سيقال: من أنه إنما لم
يصنع وليمة من بخلٍ فيه، ولن يقال: إنه إنما قطعها لأجل أمر هو أكثر نفعاً وأصلح
حالاً منها.
وأحسن
رادع عن هذه العادة هو التنديد بها على لسان أهل البيت(عليهم السلام) وعدّها من
عادات الجاهلية الممسوخة بالإسلام قال تعالى:) أَ فَحُكْم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم
يوقنون(.
المؤلف
الأحساء
في: 13/رجب/1416هـ
وأيضاً
عندما أراد(ص) حثّ المسلمين على الوصية وردعهم عن عدم كتابتها، خاطبهم بهذا
اللسان:((من مات بلا وصية مات ميتة جاهلية))، والذي يفهم منه أن الرسول(ص) أراد
الحثّ على كتابة الوصية وأراد التنفير من عدم كتابتها بنسبة ذلك إلى الجاهلية، إذ
لا يرغب أحد من المسلمين في الجاهلية أو أن يموت على الجاهلية التي فرّ منها
باعتناقه الإسلام، فعندما نلاحظ هذا المعنى، ونلاحظ نسبة الإمام الصادق(ع) الأكل
عند ذوي المصيبة إلى عمل أهل الجاهلية، يتّضح أيضاً أن المراد من قول الصادق(ع) هو
التنفير عن هذا الأمر، لأنه من العادات الجاهلية التي يجدر بالمسلم أن لا يتّبعها،
فقد أتى الإسلام ليمسخها ويحلّ محلّها العادات الإسلامية العالية المضمون التي فيها
صلاح الإنسان وخيره، فكما أراد التنفير عن عدم كتابة الوصية بذاك اللسان أراد
التنفير عن الأكل عند ذوي المصيبة بهذا اللسان، وإذا كانت هذه العادة من الجاهلية
فيكفينا للردع عنها ما تقدم وما روي عنه(ص) في خطبة الوداع:((إن مآثر الجاهلية
موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه
مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية))، ومآثر الجاهلية تعني ما كانوا يتوارثونه
من تراث وعادات، فإذن غير هذه الأمور المذكورة من العادات الجاهلية تكون موضوعة
ومرفوعة وغير معتبرة في الإسلام ومن جملتها ما نحن بصدده.إلى أن انتهيت إلى هذا
البحث الذي بين يديك، راجياً من العلي القدير أن يمنّ عليّ بالقبول.
الفصلالأول
مدخل
الوصية
أقسامالوصية
أحكامالوصية
إطعامالطعام
مدخل
قال
تعالى:)كتب
عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً
على المتقين(([1][1]).
وقال
رسول الله(ص):((من مات بلا وصية مات ميتة جاهلية))([2][2]).
وقال(ص):((الوصية
حقّ على كلّ مسلم))([3][3]).
وقال(ص):((ما
ينبغي لامرئٍ مسلم أن ينام ليلة إلاّ ووصيته تحت(*)رأسه))([4][4]).
وعن
أبي حمزة عن أحدهما(ع) قال:((إن الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطوّلت عليك
بثلاث، سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم
خيراً، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيراً))([5][5]).
تعريف
الوصية
أصل
الوصية في اللغة من الوصل، وسمّي هذا التصرف وصيةً لما فيه من وصلة التصرف في حال
الحياة به بعد الوفاة، أو وصلة القربة في تلك الحال بها في الحالة
الأخرى.([6][6])
أقسام
الوصية
1ـ
الوصية العهدية: وهي أن يطلب الإنسان من الوصي أن يقوم بعد وفاته بأعمال معينة، مثل
أن يوصي بأمور ترتبط بكفنه ومحلّ دفنه ومراسيم تشييعه أو مثل أن يوصي باستئجار الحج
ونحوه.
2ـ
الوصية التمليكية: وهي أن يوصي بأن يكون بعض أمواله ملكاً لشخص بعد وفاته ويلحق بها
الإيصاء بالتسلط على حقّ أو يعين لأولاده قيّماً ووليّاً.
3ـ
الوصية الفكية: وهي أن يوصي بفكّ ملك كتحرير العبد وكالإبراء.
حكم
الوصية المكتوبة
يكفي
في الوصية كلّ ما دلّ عليها من الألفاظ من أي لغة كانت ويستظهر العلماء الاكتفاء
بالكتابة حتى مع القدرة على التكلّم، وإذا لم يكن قادراً على ذلك جاز له أن يوصي
بالإشارة التي تفيد مقصوده.
موارد
وجوب الوصية
الوصية
تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة، فقد تكون واجبة وذلك إذا كانت بأمر واجب، وقد تكون
محرمة وذلك إذا كانت بأمر محرم، وقد تكون مستحبة أو مكروهة أو مباحة، وأمّا وجوبها
ففي بعض الموارد، فإذا ظهرت للإنسان علامات الموت تجب عليه أمور: ـ
1ـ
ردّ الأمانات إلى أصحابها أو إعلامهم بذلك.
2ـ
الإستيثاق من وصول ديونه إلى أصحابها بعد مماته ولو بالوصية بها والاستشهاد عليها
هذا في ديونه التي لم يحل أجلها بعد أوحلّ ولم يطالبه بها الديان أولم يكن قادراً
على وفائها وإلاّ فتجب المبادرة إلى أدائها فوراً وإن لم يخف الموت.
3ـ
الوصية بأداء ما عليه من الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة والكفارات وردّ المظالم إذا
كان له مال ولم يكن متمكناً من أدائها فعلاً أولم يكن له مال واحتمل أن يؤدي ما
عليه بعض المؤمنين تبرعاً وإحساناً، وأمّا إذا كان له مال وكان متمكناً من الأداء
وجب عليه ذلك فوراً من غير تقيّد بظهور إمارات الموت.
4ـ
الوصية باتّخاذ أجير من ماله على الإتيان بما عليه من الصلاة والصيام وإذا لم يكن
له مال واحتمل أن يقضيها شخص آخر عنه تبرعاً وجبت عليه الوصية به أيضاً، وربما يغني
الإخبار عن الإيصاء كما لو كان له من يطمئن بقضائه لما فات عنه (كالولد الأكبر)
فيكفي حينئذٍ إخباره بفوائته.
5ـ
إعلام الورثة بما له من مال عند غيره أوفي محلّ خفي لا يعلمه غيره لئلا يضيع حقهم،
ولا يجب على الأب نصب القيّم على الصغار إلاّ إذا كان إهمال ذلك موجباً لضياعهم أو
ضياع أموالهم، فإنه يجب على الأب والحالة هذه جعل القيّم عليهم، ويلزم أن يكون
أميناً([7][7]).
تنبيهٌ
في حرمة الأكل من وليمة الفاتحة
إذا
لم يوص الميت كانت جميع أمواله بعد إخراج ما يجب إخراجه (مما ذُكر في الأمور الخمسة
المتقدمة) من الأصل للورثة، كما أنه لا تنفذ الوصية فيما زاد على الثلث سواءً كان
معيناً أم مشاعاً، إلاّ بإذن الورثة، وإذا كان الورثة صغاراً غير بالغين، ولم تكن
للميت وصية، فلا يجوز التصرف في هذه الأموال التي هي أموال اليتامى حتى لو كان ذلك
لأجل طعام الفاتحة على روح والدهم.
فإن
الأكل من وليمة عزاء أعدّت من أموال اليتامى في حالة لم تكن لأبيهم وصية بذلك حرام
إن كان الآكل عالماً بذلك.
نعم
لا فرق بين أن يكون الوارث صغيراً أو كبيرا عاقلاً أو مجنونا في وجوب إخراج ما يجب
إخراجه مما ذُكر سابقاً كأداء الديون ونحوها، والفاضل يكون للورثة.
الحيف
والإجحاف بالورثة في الوصية
لا
تنفذ الوصية فيما زاد عن الثلث إلاّ بإذن الورثة إذا كانوا بالغين راشدين ولا يجوز
الجور والحيف في الوصية بتجاوز الحد المقرر، ولكن ينبغي أيضاً أن لا يوصي بالثلث
فإن في ذلك إجحافاً بالورثة وإضراراً بهم وحيفاً عليهم، ولذا ورد عن الصادق(ع):((من
أوصى بالثلث فقد أضرّ بالورثة، والوصية بالربع والخمس أفضل من الوصية بالثلث، ومن
أوصى بالثلث فلم يترك))([8][8]).
بل
عدّ ذلك بمثابة السرقة، فعن أمير المؤمنين(ع):((ما أبالي أضررت بولدي، أو سرقتهم
ذلك المال))([9][9]).
ولأنه
غاية الحيف وعدم الإنصاف عدّ من الكبائر، قال أمير المؤمنين(ع):((الحيف في الوصية
من الكبائر))([10][10]).
والأفضل
أن يختار الوصية بالخمس وهو أفضل من الوصية بالربع والربع أفضل من الوصية بالثلث،
فعن الصادق(ع) أنه قال:((كان أمير المؤمنين(ع) يقول:((لئن أوصي بخمس مالي أحبّ إليّ
من أن أوصي بالربع، ولئن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث
فلم يترك وقد بالغ، إلى أن قال: لئن أوصي بخمس مالي أحبّ إليّ من أن أوصي
بالربع))([11][11]).
وعن
السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه(ع) قال: قال علي(ع):((الوصية بالخمس لأن
الله عزّوجلّ رضي لنفسه بالخمس وقال: الخمس اقتصاد والربع جهد والثلث
حيف))([12][12]).
وفي
المقابل فإن من لم يحف في الوصية كان كمن تصدق به في حياته، قال أمير
المؤمنين(ع):((من أوصى ولم يحف ولم يضار كان كمن تصدق به في حياته))([13][13]).
ومع
ملاحظة هذه الروايات يفهم أن الوصية ينبغي أن لا تكون بمقدار الثلث لأنّ ذلك حيف
وإضرار بالورثة، وعلى الوصي أن يراعي الورثة ويضع مصلحتهم نصب عينيه. لا أن يجد بعض
ورثته فقيراً ويتركه بدون أن يرفع فقره أولا يولي ذلك أيّ اهتمام، ويقول: ثلثي ليّ
أصنع به ما أشاء.
كلاّ
! إنّ الأمر ليس كذلك، بل المطلوب هو مراعاة أحوال الورثة، وترك أكبر مقدار لهم
يصلح شأنهم خصوصاً إذا كانوا صغاراً، ولذا أمر سبحانه وتعالى الأوصياء بأن يخشوا
الله في أمر اليتامى وليفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذرياتهم بعدهم، أو أمر حاضري
المريض عند الإيصاء بأن يخشوا الله في أولاده ويحبون لهم ما يحبون لأولادهم، قال
عزّوجلّ:)وليخش
الذين لو تركوا من خلفهم ذريّة ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً
سديداً(([14][14]).
وليعلم
أن الثواب المرجو من الوصية ببعض الأمور المستحبة الأخرى ليس بقدر الثواب الذي يحصل
من خلال مراعاة الورثة ورفع حاجاتهم.
كُن
وصيّ نفسك
بما
أن الغاية من الوصية هي أن ينتفع الموصي بالأعمال التي وصّى أن تعمل بعد وفاته،
ولوضوح أن الثواب المترتب على إنجاز العمل من قِبَلِ نفس الموصي أفضل بكثير من
العمل الذي ينجزه له غيره، فينبغي للموصي أن يكون هو وصي نفسه ويقوم هو بتأدية
أعماله عوض أن يقوم بها غيره، فمثلاً بدل أن يوصي بمبلغ لردّ المظالم لماذا لا يقوم
هو بنفسه وهو في حياته بردّ مظالمه؟.
لقد
حثّ الرسول(ص) والأئمة(ع) على أن يكون الإنسان هو وصي نفسه، فعندما جاء رجل إلى
رسول الله(ص)، وقال: أوصني وأوجز؟، قال: ((هيئ جهازك، وأصلح زادك، وكن وصيّ نفسك،
فإنّه ليس من الله عوض، ولا لقول الله خلف))([15][15]).
وعن
علي(ع) قال: ((يا بن آدم كُن وصيّ نفسك في مالك واعمل فيه ما تؤثر أن يُعمل فيه من
بعدك))([16][16]).
وعن
عنبسة العابد قال: قال رجل لأبي عبد الله(ع): أوصني؟، قال:((اعدّ جهازك، وقدم زادك،
وكُن وصيّ نفسك، لا تقُل لغيرك يبعث إليك بما يُصلحك))([17][17]).
إطعام
الطعام
الروايات
الواردة في الحثّ على إطعام الطعام يمكن تقسيمها إلى عدة طوائف:
1ـ
الحثّ على مطلق الإطعام
قال
الباقر(ع):((إنّ الله يحبّ إطعام الطعام وإراقة الدّماء))([18][18]).
وعن
الصادق(ع) قال:((إنّ الله يحبّ إطعام الطعام وإهراقة الدّماء بِمنى))([19][19]).
إطعام
الجائع حتى الشبع
العلة
الكبرى والغاية المنشودة من الندب إلى الإطعام هي سدّ خلة الجائع الذي لا يجد
الطعام حتى يشبع، وكون هذه هي الغاية المنشودة أمر وجداني بديهي إضافة إلى ذلك ما
عن أبي جعفر(ع) قال:((ثلاث خصال هنّ من أحب الأعمال إلى الله، مسلم أطعم مسلماً من
جوع، وفكّ عنه كُربه، وقضى عنه دينه))([20][20]).
وعن
الصادق(ع)قال:((من أحب الأعمال إلى الله إشباع جوعة المؤمن، أو تنفيس كربته، أو
قضاء دينه))([21][21]).
وعنه(ع)
قال:((من أطعم مسلماً حتى يشبعه لم يدر أحدٌ من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة،
لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ الله ربّ العالمين، ثم قال: من موجبات الجنة
والمغفرة إطعام الطعام السبغان، ثم تلا قول الله عزّوجلّ:)أو
إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين
آمنوا())([22][22]).
2ـ
الحثّ على إطعام الأخ في الله (الصديق)
إطعام
المؤمن
عن
الصادق(ع) قال:((لئن أُطعم مسلماً حتى يشبع أحبّ إلي من أن أطعم أفقاً من الناس،
قيل وما الأفق من الناس؟ قال: مائة
ألف إنسان من غيركم))([23][23]).
وعن
أبي جعفر(ع) قال:((يا أبا المقدام والله لئن أُطعم رجلاً من شيعتي أحبّ إليّ من أن
أُطعم أفقاً من الناس، قلت: كم الأفق؟، قال: مائة ألف))([24][24]).
إطعام
الصديق أفضل من إطعام المسكين
عن
أبي جعفر(ع) قال:((لئن أشبع أخاً في الله أحبّ إليّ من أن أشبع عشرة
مساكين))([25][25]).
ولانّ
إطعام الصديق إنّما هو إباحة وعطية بمثابة الهدية، وإطعام المسكين إنّما هو صدقة أو
بمثابتها، لذا ورد التعبير في حالة إعطاء المساكين تارة بالصدقة وتارة بالإعطاء في
سبيلهم، فعن الصادق(ع) قوله:((لئن أعطي رجلاً من أصحابي درهماً أحبّ إليّ من أن
أتصدق بعشرة، ولأن أعطيه عشرة أحبّ إليّ من أن أتصدق بمائة))، وعن الباقر(ع)
قوله:((لئن أعطيه (أي الأخ في الله) عشرة دراهم أحبّ إليّ من أن أعطي مائة في
المساكين))([26][26]).
والعطية
أفضل من الصدقة وإن كان لكل منهما خصوصيات وفوائد ربّما لا توجد في الأخرى، وكدليل
على أفضليتها على الصدقة قال الصادق(ع):((لئن أطعم رجلاً من أصحابي حتى يشبع أحبّ
إليّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري رقبة وأعتقها، ولئن أعطي رجلاً من أصحابي درهماً
أحبّ إليّ من أن أتصدق بعشرة، ولئن أعطيه عشرة أحبّ إليّ من أن أتصدق
بمائة))([27][27]).
ولا
يخفى ما في الروايات المتقدمة من اهتمامهم (عليهم السلام) بأصحابهم وشيعتهم وحثّ
الموالين لهم على الاهتمام ببعضهم.
الإطعام
افضل من عتق الرقبة
قال
الصادق(ع):((أكلة يأكلها المسلم عندي أحبّ إليّ من عتق رقبة))([28][28]).
وعن
الباقر(ع):((يا سدير تعتق كلّ يوم نسمة؟؛ قلت: لا، قال: كلّ شهر؟؛ قلت: لا، قال:
كلّ سنة؟؛ قلت: لا، قال: سبحان الله ! أما تأخذ بيد واحد من شيعتنا فتدخله إلى بيتك
فتعطيه شبعة، فوالله لَذلك أفضل من عتق رقبة من ولد إسماعيل))([29][29]).
إطعام
الموسر أو المعسر
قال
الصادق(ع):((ما من مؤمن يطعم مؤمناً موسراً كان أو معسرا إلاّ كان له بذلك عتق رقبة
من ولد إسماعيل))([30][30]).
وعن
سدير الصيرفي قال: قال لي أبوعبدالله الصادق(ع):((ما يمنعك أن تعتق كلّ يوم نسمة؟؛
فقلت: لا يتحمل ذلك مالي، فقال: لا تقدر أن تشبع كلّ يوم رجلاً مسلماً؟؛ فقلت:
موسراً أو معسرا؟؛ فقال: إنّ الموسر قد يشتهي الطعام))([31][31]).
ومنه
يفهم أنّ من جملة الغايات لإطعام الطعام هي إطعام من يشتهي الطعام حتى وإن كان
موسراً.
3ـ
الحثّ على إطعام المساكين
عن
معمّر بن خلاد، قال: كان أبو الحسن الرضا(ع) إذا أكل أتى بصحيفة، فتوضع قرب مائدته،
فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به، فيأخذ من كلّ شيء شيئاً، فيوضع في تلك الصحيفة،
ثم يأمر بها للمساكين، ثم يتلو هذه الآية)فلا
اقتحم العقبة( ثم يقول:((علم الله عزّوجلّ أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة،
فجعل لهم سبيلاً إلى الجنة بإطعام الطعام))([32][32]).
اقتحام
العقبة بإطعام المساكين
قال
تعالى:)فلا
اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فكّ رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا
مقربة، أو مسكينا ذا متربة(([33][33]).
فتعليق
الإطعام على المساكين في بعض الموارد مثل الكفارات ويوم المجاعة وأنه سبب لاقتحام
العقبة، مشعرٌ بأنّ الحكمة منه هي استفادة المساكين فهم أحوج الناس لمثل هذا
الإطعام لأنهم لا يجدونه ولا يعرفون له طريقاً ولا يستطيعون له سبيلاً ولذا حُكِمَ
في الكفارات بعدم إجزاء إطعام غير الفقراء والمساكين.
ومن
كلّ ما تقدم يستفاد عموم استحباب إطعام الطعام وفي بعض حالاته يتأكد الاستحباب
كإطعام الأخ في الله ونحوه، ولكن لابدّ أن ننبه على أنّ هذا العموم قابل للتخصيص في
بعض الحالات وعندئذٍ يرتفع الاستحباب كما سيتضح ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى.

الفصل
الثاني
وليمة
الفاتحة
البدائل
تزويج
العزاب
كفالة
اليتيم
دعم
الحوزات
قضاء
حاجة المؤمن
وليمة
الفاتحة مشكلة اجتماعية
المشكلة
تكمن في ما توقع هذه العادة فيه أهل المصاب من العسر والحرج والضرر المالي والنفسي
وذلك عندما يجاري أهل المصاب هذه العادة خوفاً من الملامة عند المخالفة، وحرمة ذلك
مما لا يخفى على أحد.
وبناءً
على التعريف السابق للوصية وهو وصل التصرف في حال الحياة به بعد الوفاة (أي وصل
التصرف في جزء من المال بعد موته كما كان له ذلك في حياته)، واستناداً
لقوله(ص):((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدعو
له أو علم ينتفع به))، فإنه يجدر بالموصي أن يوصي بالأمور التي يصل التقرّب بها إلى
ما بعد الممات والتي تكون مستمرة ونفعها كثيراً وكبيراً.
والملاحظ
في إعداد الوصية هذه الأيام ليس بتلك الدرجة التي يكون بها عمل الموصي مستمراً إلى
أمدٍ بعيد، وليس هو بالكيفية العالية جداً، بل يقتصر على أمور استمرارها محدود، في
حين أن النبي(ص) أكّد وأرشد على استمرارية العمل بأمور لا ينقطع عمل الإنسان إذا ما
خلّفها وراءه، بقوله(ص): ((إذا
مات
ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع
به)).
علينا
أن نجدّد النظر في إعداد الوصية لأن ما هو متعارف عليه هذه الأيام لا يفي بالغرض،
فإنك تجد في إعداد الوصية هذه الأيام التوصية ببعض الأمور التي نفعها قصير منقطع
غير مستمر، بل تجد التوصية بما يتوهم مطلوبيته كالتوصية بالوليمة في مجلس العزاء
ولمدة ثلاثة أيام، إلى أن صارت هذه المسألة من المسائل الشائعة في عرف الناس حتى
أنه لَيُعاب على الأشخاص الذين لا يقومون بالوليمة على أتم وجه، فتجد بعض الناس
يقول: عائلة الميت الفلاني طبخت في مأتمه اللحم العربي الفاخر، بينما عائلة الميت
الآخر لم تطبخ مثل تلك العائلة.
فالعائلة
الأولى ظهرت بالصورة اللائقة لأنها قامت بأمور الوليمة على أتم وجه، بينما العائلة
الأخرى لم تظهر بالصورة اللائقة لتقصيرها في أمر الوليمة.
إلى
أن أصبح أكثر الناس حتى وإن كان فقيراً يجاري هذه العادة، للخوف من كلام الناس
والملامة.
هل
هذا إلاّ التفاخر والتظاهر المنهي عنه؟!
وكثيراً
ما تمنّى بعض الناس من متوسطي الحال والفقراء أن لا يُصاب بفقد قريب له لشدّة ما
يُعانيه من أمر الوليمة، ويقول: إن تزويج الشخص يحتاج إلى وليمة واحدة بينما موته
يحتاج إلى ثلاث ولائم خلال ثلاثة أيام.
هذا
مع ما يُعانيه أكثر الناس من صعوبات في وليمة الزواج، ولذا جاءت الدعوات الإصلاحية
للتخفيف من القيود التي وضعت لسبب معتبر أو غير معتبر في مسألة الزواج، ومن جملتها
الوليمة فيه التي نشأت من خلال صعوبتها فكرة الزواج الجماعي بغرض التخفيف من مؤنة
الوليمة في الزواج.
ما
هذه إلاّ قيود كبّلنا بها أنفسنا ما أنزل الله بها من سلطان، وما كلّفنا بها، ناهيك
عنها ما فيها من العسر والحرج بسبب ما يُعانيه الفقير من مشقّة مالية.
ولأنه
يجد نفسه ملزماً بإتباع هذه العادة، ولكي يظهر بالصورة اللائقة أمام الناس يضطرّ
إلى الدّين والسلف وما شاكلهما، ويكلّف نفسه فوق طاقتها ويوقعها في العسر والحرج
المنهي عنه، قال سبحانه وتعالى:)ما
جعل عليكم في الدين من حرج(([34][34])،
وقال عزّوجلّ:)لا
يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها(([35][35]).
بل
أحياناً يضطرّ حتى للتصرف في أموال اليتامى إذا لم يجد أموالاً لصرفها على وليمة
العزاء مع أنّ هذا محرم كما تقدم.
وناهيك
عن ذلك أيضاً أن الوليمة تذكّر بالدنيا، والجنازة تذكّر الآخرة، كما
قال(ص).
والمطلوب
في مجلس العزاء هو ذلك أيضاً، لكنّنا خلطنا بين مذكّر الآخرة بمُذكّر الدنيا حتى
أصبح هذا الخلط مألوفاً لدينا، بل وصل الأمر بنا إلى درجة أنه يعاب على من لم يتّبع
هذا الخلط والجري على هذه العادة أولم يقم بها على أتم وجه، وخُلِّف قول رسول
الله(ص) وراء الظهور، فحينما سئل(ص) عن الرجل يدعى إلى وليمة وإلى جنازة، فأيّهما
أفضل وأيّهما يُجيب؟، فقال(ص):((يُجيب الجنازة فإنّها تذكّر الآخرة وليدع الوليمة
فإنّها تُذكّر الدنيا))([36][36]).
أ
فهل أُتِّبِع قول الرسول(ص)؟!
كلاّ
! بل أصبح يُخلط بين الأمور التي تُذكّر بالدنيا والأمور التي تُذكّر بالآخرة.
لابدّ
من حلّ
بعد
وضوح هذه المشكلة يجب علينا أن نجد حلاً لها وندفع بعض الشبهات التي ربما تتّخذ
دليلاً لهذه العادة مثل مسألة استحباب إطعام الطعام وغيرها مما سيأتي إن شاء الله
تعالى في (الفصل الرابع)، وينبغي التأكيد هنا على أنّ مسألة إطعام الطعام لا يمكن
تطبيقها على مثل هذه العادة وذلك لأنّ إطعام الطعام صار في كثير من حالاته محلاً
للفخر المنهي عنه في شرعنا العزيز، وصار محلاً للضرر المنفي بقوله(ص):((لا ضرر ولا
ضرار))، إضافة إلى أن المرجح في إطعام الطعام واستحباب دعوة المؤمنين على الولائم
المخصوصة بالذكر في لسان بعض الروايات أن تكون للفقراء، لذلك أفتى بعض العلماء
بكراهة أن يكون كلّ المدعوين لوليمة الزفاف أغنياء، بل ذهبوا إلى أن الأفضل دعوة
الفقراء خاصة، وقد قال أبوعبدالله(ع):((نهى رسول الله(ص) عن وليمة يُخصّ بها
الأغنياء ويترك الفقراء))([37][37]).
إذن
لوجود هذه المحاذير لابدّ من اقتراح بديل يسدّ محلّ هذه العادة إذا كانت عند الموصي
أموال يريد أن يتحصّل على الثواب الأخروي والدنيوي من ورائها، والمصرف البديل
المقترح يمكن أن يكون عدة أمور أهمها ما يلي:
أ)
تزويج العزاب.
ب)
كفالة اليتامى.
ج)
دعم الحوزات الدينية والمجاهدين.
د)
قضاء حوائج المؤمنين.
إن
الذي يفهمه عامة الناس من التوصية بمثل الوليمة لمدة ثلاثة أيام في الفاتحة إنما هو
لأجل الثواب المترتب على أكل من يحضر في مجلس عزاء الفاتحة، فلأجل هذا صارت التوصية
بهذا الأمر مثل بقية الأعمال التي يصل ثوابها للميت، ولأنّ الميت في حالة هو بأمس
الحاجة للثواب، فلابد أن تلتمس الطرق التي وُعِد عليها بالجنة مثل الإطعام والصدقة
وصلاة الوحشة، فإذا أطعمنا في مجلس عزائه فإنه سيصل إليه ما هو بحاجة إليه، إذن هذه
العادة أمر لابدّ منه، إذ بواسطتها لا ينقطع عمل الإنسان بمجرد موته فتكون من
مصاديق قوله(ص):((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، ولد صالح يدعو له، وعلم
ينتفع به، وصدقة جارية))([38][38]).
والحقّ
أنّ التعليل الذي أُخذ في لسان الشبهة كلام لا غبار عليه، لولا وُرود كراهة الأكل
عند ذوي الميت، ولولا لحوق الضرر لمعظم الناس من جرّاء هذه العادة، وبناءً على هذا
لابدّ من سلك طرق أخرى غير هذه العادة موعودٌ عليها بالجنة كما ستلاحظ ذلك في
الأمور البديلة إن شاء الله تعالى.
والحقّ
أيضاً أنّ كلّ شيء يعمله الإنسان يصل إليه ثوابه ما لم يبطله برياء ونحوه، سواء كان
في حياته أم بعد مماته، حتى دعوة ولده الصالح له إنّما هو بسبب عمله لأن الولد
الصالح للإنسان يعتبر من عمله، لذلك ورد عنه(ص):((الدال على الخير كفاعله))، ولا
يذهب عليك أنّ المراد من مثل قوله(ص):((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من
ثلاث...الخ)) هو الحث على مثل هذه الأمور، وأنّ هذه الثلاثة نفعها أكثر من غيرها،
لوضوح أنّه لو أوصى بصدقة غير جارية مثلاً فإنه سيصل إليه ثوابها، ومثل هذا الموصي
لا يصدق عليه أنه انقطع عمله لأنه لم يوص بأحد الأمور الثلاثة التي ذكرها
الرسول(ص)، وإنما المراد هو التأكيد والحثّ على هذه الأعمال الثلاثة لأنّ الإنسان
يستفيد بها أكثر من غيرها ويصل إليه ثواب غير منقطع بواسطتها.
إذن
لا يمكن تطبيق هذا الحديث على مثل هذه العادة، لأن المراد هو التأكيد على الصدقة
الجارية وهذه ليست بصدقة جارية.
وبناءً
على هذا لابدّ أن نحدّد الأمور المهمّة التي يكون ثوابها أكثر ونفعها أشمل ومن
مصاديق الصدقة الجارية، ونجعلها بديلاً عن مثل هذه العادة التي أضحت مشكلة اجتماعية
لتكليفها ذوي الميت أتعاباً ومشقة مالية، فقد تسمع بل حدث كثيراً أنّ أشخاصاً
اقترضوا أموالاً لوليمة العزاء على روح والديهم أو غيرهما، في حين أنه روي أنّ رسول
الله(ص) شارك في تشييع جنازة وبعدها أخبره أحدهم بأن أهله وأبناءه لا يملكون من
حطام الدنيا ما يسدّ جوعهم، وأن أباهم أنفق جميع أمواله في سبيل الله قبل وفاته
عندها قال(ص)ما مضمونه:((لو علمت بهذا من قبل لما شيّعته)).
الرسول(ص)
لا يريد أن يقع أهل الميت في حرج إضافة إلى مصيبتهم بفقد حبيب لهم، لأنه يعزّ عليه
ما يتعب المؤمنين )لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف
رحيم(([39][39]).
لكننا
بهذه العادة أوقعنا ذوي المصاب في التعب والحرج وقضينا على كثير من حالات الترحم
على الميت من قبل أقربائه لأن ولد الميت مثلاً يشعر أن موت أبيه سبّب له مصيبة
مالية لا يعرف طريقاً للخروج منها إلاّ بالمذلة بمثل الصدقة أو الاقتراض الذي لا
يعلم إلاّ الله متى سوف يستطيع أن يؤديه إلى صاحبه الذي اقترضه منه.
ومن
المؤسف حقاً أنك عندما تتحدث مع بعض الناس عن هذه العادة تجده يقول: إنّ الفقير إذا
لم يكن عنده أموال، فسنجمع له صدقات من المؤمنين، وكما يقال(المؤمنون ما يقصّرون)،
فيصور لنا كأنه لا يوجد أهمّ من الوليمة للميت.
وليت
شعري أهذا حلّ لمشكلة عامة وغير محدودة؟.
أفلا
ينبغي أن نقتلع هذه العادة من الجذور كي يفكر الإنسان في ميّته ويترحم عليه؟ ولكي
ندفع الضرر المالي اللاحق بذوي الميت؟ ولكي نرفع الضرر النفسي اللاحق بالشخص الذي
يشعر أنه لن يقوم بهذه العادة على أتم وجه؟.
إذن
علينا جميعاً أن نقف أمام هذه العادة ونقتلعها من مجتمعاتنا، وينبغي لكل واحد منا
إذا كانت عنده أموال أن يكتب في وصيته بدل هذا الأمر بعض الأمور الأخرى التي تعود
عليه وعلى مجتمعه بالنفع، فيا ترى هل أنّ الإنسان يستفيد من صرف مبلغ طائل في غداء
لمدة ثلاثة أيام من أصناف اللحوم وغيرها في مجلس عزائه، أو أنه يستفيد أكثر فيما لو
صرفنا هذه الأموال من ثلثه في تزويج أعزب مثلاً؟.
والآن
لِنلاحظ مميزات وخصائص البديل عن هذه العادة.
أ)
تزويج العزاب
في
الحديث القدسي المتقدم في المدخل قال سبحانه وتعالى:((وجعلتُ لك نظرة عند موتك في
ثلثك فلم تُقدّم خيراً)).
كلٌّ
محتاج لرحمة الله الواسعة وبالخصوص المشرف على لقاء حسابه وجزاء أعماله، والله
سبحانه وتعالى مَنّ وتطوّل علينا بالثلث من أموالنا فجعله كي نقدّم لأنفسنا خيراً
ننتفع به بعد الممات، فيا تُرى هل أن الخير الذي ينتفع به محصور في الوصية بوليمة
في مأتم العزاء أو أن الخير في أن يوصى عوضاً عن الوليمة بمبلغ يجمع بواسطته بين
شخصين على سنة الله ورسوله؟!
هل
تعلم ما الثواب المترتب على تزويج العزاب؟.
ورد
عن الإمام الصادق(ع) أنه قال:((من زوّج أعزب كان ممن ينظر الله إليه يوم
القيامة))([40][40]).
وعنه(ع):((من
زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشدّ عضده ويستريح إليها زوّجه الله من الحور
العين وأنسه بمن يحبّ من الصديقين من أهل بيته وإخوانه وأنسهم به))([41][41]).
بالطبع
إن عمل كهذا يترتب عليه أن يدخل الإنسان بواسطته الجنة ويستظلّ بظلّ الله يوم لا
ظلّ إلاّ ظله ويتزوّج من الحور العين، يكون أفضل بكثير من صرف الأموال في وليمة
الفاتحة التي لا يصل ثوابها إلى هذا القدر الجزيل من التكريم عند الله عزّ
شأنه.
ب)
كفالة اليتامى
مَن
لليتم إذا اشتدّ لفح البرد وطاشت صفعة الحرّ؟.
مَن
يملأ بيته بالدفء ويقيه من شدّة البرد، مَن يملأ بيته بالمحبة ويحميه من شدّة
الحرّ؟.
ذهب
كفيله ومعيله القائم على تأمين ما يلزمه في صيف أو شتاء.
هل
فكّر أحدٌ أن يكتب في وصيته أموالاً لكفالة اليتيم؟.
ثم
هل أن صرف أموال في وليمة الفاتحة له من الثواب ما يكون لهذه الأموال لو صرفت على
كفالة اليتيم؟!
وما
أدراك ما الثواب المترتب على كفالة اليتيم؟!
ففي
الخبر أنّ الماسح على رأس اليتيم له من الثواب ما لا يعلمه إلاّ الله، فعن أمير
المؤمنين(ع) أنه قال: ((ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم إلاّ كتب الله
له بكلّ شعرة مرّت يده عليها حسنة))([42][42]).
ما
ذلك إلاّ لما يحدثه وضع اليد على الرأس من الشعور بالعطف والحنان وحبّ الآخرين،
وعدم الوحشة منهم إن وضع اليد على رأسه يجعله يستشعر أن الحنان والعطف لم يمت مع
أبيه.
ومن
وصايا أمير المؤمنين(ع) أنه قال:((الله الله في الأيتام فلا
تُغِبّوا(*)أفواههم،
ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله(ص) يقول:((من عال يتيماً حتى يستغني أوجب
الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار))([43][43]).
وقال(ص):((أنا
وكافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى الله عزّوجلّ وأشار بالسبابة
والوسطى))([44][44]).
وقال
الصادق(ع):((اتّقوا الله في الضعيفين (يعني بذلك اليتيم والنساء))([45][45])
وقال
سبحانه وتعالى: )أَ
رأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدُعّ اليتيم(([46][46]).
لاحظ
أنّ الذي لا يراعي اليتيم بكفالته فهو والمكذب بالدين سواء، بل يستفاد من هذه
الآيات الشريفة أكثر من هذا المعنى، وهو أن الذي يدع اليتيم حقيقته أنه لم يصدّق
بالدين بل هو مكذّب به.
بعد
هذا هل تتصوّر أنّ صرف الأموال التي يمكن بواسطتها أن يُكفَل يتيمٌ حتى يُؤمّن مستقبله هل أن صرفها في
وليمة عزاء يأكل منها عدّة أشخاص لفترة محدودة أولى أو صرفها في كفالة اليتيم؟.
ج)
دعم الحوزات الدينية والمجاهدين
الحوزات
العلمية على مرّ العصور خرّجت ولا زالت تخرّج الكثير من العلماء الذين خدموا
الإسلام والمسلمين وأناروا الفكر والقلوب من ظلمات الجهل والذنوب، فهلا ساهم الموصي
في دعم هذا الصرح الشامخ ليحظى بخير الدنيا والآخرة، ويكون بمساعدته لمن سلكوا
الطريق إلى الجنة فائزاً معهم في الخاتمة، فلو صرفت هذه الأموال التي يريد أن يوصي
بها لوليمة عزائه لترويج الإسلام وذلك بأن أوصى أن تصرف لدعم الحوزات العلمية
والمجاهدين، أ ليس نفعها أهم وثوابها أجزل من أن تصرف في وليمة وينتهي نفعها
بانتهائها؟!
إن
اليهود والنصارى أعداء الإسلام يعملون أكثر منا في هذا المجال،
فقد تسمع من هنا وهناك أو تقرأ في الجرائد والمجلات بين الحين والآخر، أن
أحدهم أوصى بالتبرع بنصف أمواله أو بجميعها لنشر العلم في بلاده أو للجامعة التي
درس فيها أو لبناء مدرسة للتربية والتعليم، معبراً عن حبّه للعلم وخدمته له وراجياً
أن يكون مساهماً في نشره.
فانظر
إلى أي مدى وصل هؤلاء من الفهم وعرفان الجميل للعلم، وهذه الحالة وإن كانت من هؤلاء
إلاّ أنها حالة تستحق الاحترام والتقدير لأنها تعبر عن وعي عالٍ لخدمة العلم
واحترامه.
هل
سمعت موصياً في مجتمعنا يفكر في دعم الحوزات العلمية ببناء مدرسة ونحوها؟!
ثم
هل أن بناء مدرسة لطلبة العلم ومروجي الدين أفضل وثوابها أكثر أو صرف الأموال
لوليمة الفاتحة؟.
علينا
جميعاً أن نفكر أكثر في دعم هذه المؤسسات الدينية ولا ندع أعداء الإسلام يسبقونا في
هذا المجال، لأن رفع راية الإسلام مسئولية الجميع خصوصاً في هذا الزمان المليء
بالمخاطر على الإسلام والمسلمين.
وفي
هذا الشأن يقول آية الله العظمى السيد الحكيم(أعلى الله مقامه) في كتابه الشريف
(منهاج الصالحين): ومن أهم مصارفه (أي الخمس) في هذا الزمان الذي قلّ فيه المرشدون
والمسترشدون إقامة دعائم الدين ورفع أعلامه وترويج الشرع المقدس، ونشر قواعده
وأحكامه ومؤونة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين
أنفسهم في تعليم الجاهلين وإرشاد الضالين ونصح المؤمنين ووعظهم وإصلاح ذات بينهم
ونحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم وعلو درجاتهم عند ربهم تعالى شأنه
وتقدست أسماؤه.([47][47])
انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.
د)
قضاء حوائج المؤمنين
أكثر
ما تجد أن الذي يُكتب في الوصية هو ما يعود بالنفع على نفس الميت فقط، مثل الحج
المستحب والزيارة المندوبة وما شابههما، في حين أن الإنسان وبخصوص مَن يلاقي حسابه
فعلاً وهو الميت، بحاجة إلى الأعمال التي تعود عليه بالثواب الكثير، وهذا يتحقق
عندما ينفع الإنسان نفسه وغيره.
فهلاّ
كتب في الوصية بدلاً عن هذا بعض الأمور التي نفعها يعمّ ويشمل حتى غير الميت مثل
الصدقة الجارية وقضاء حوائج المؤمنين؟.
وغير
خفيّ أن الثواب المترتب على مثل هذا أكثر من غيره، فعن الباقر(ع) قال:((لئن أعول أهل بيت من المسلمين أسدّ
جوعتهم، وأكسو عورتهم، وأكفّ وجوههم عن الناس أحبّ إليّ من أن أحجّ حجة وحجة وحجة،
ومثلها ومثلها ومثلها، حتى بلغ عشراً ومثلها ومثلها، حتى بلغ
السبعين))([48][48]).
وكذا
غير الحج وإنما أُخذ في لسان هذه الرواية إرشاداً إلى أن هذا الأمر العظيم وهو الحج
سبعون منه لا تُوازي أن يعول أهل بيت من المسلمين ويقضي حوائجهم ويكفّ وجوههم عن
الناس.
أفضل
الأعمال
روي
أنّ الإمام الحسن(ع) قطع طوافه لأجل قضاء حاجة لمؤمن، وعندما سُئل عن ذلك، أجاب:
بأن قضاء حاجة المؤمن أفضل من الطواف.
وعقد
صاحب الوسائل باباً بعنوان (باب اختيار قضاء حاجة المؤمن على غيرها من القربات)،
وذكر عدّة روايات في ذلك منها هذه الرواية، عن أبي عبد الله(ع) قال:((مشي المسلم في
حاجة أخيه المسلم خير من سبعين طوافاً بالبيت))([49][49]).
وكذا
غير الطواف وإنما أُخذ في لسان بعض الروايات إرشاداً إلى أن هذا الأمر العظيم وهو
الطواف سبعون منه لا تُوازي قضاء حاجة لمؤمن.
ونقل
عن أحد العلماء أنه قال:(بحثتُ عن أفضل الأعمال فلم أجد أفضل من زيارة أبي عبد الله
الحسين (سلام الله عليه)، ثم بحثت عن عمل أفضل من الزيارة فلم أجد أفضل من قضاء
حاجة لمؤمن).
وبعد
هذا عليك أن تزن الأمور وتتخيّر لنفسك ما هو الأحسن والأفضل، فهل أن الوصية ببعض
الأمور التي وإن كانت مستحبة كالطواف بالبيت أولى أو قضاء حاجة لمؤمن؟.
خلاصة
ما تقدّم
مما
سبق اتضح أن هذه الأمور أكثر نفعاً للميت من الوليمة التي هي محدودة النفع، كما أن
هذه الأمور أكثر نفعاً للدين والمجتمع.
إذن
علينا أن نفكّر أكثر في وليمة الفاتحة، ونقتلع هذه العادة من الجذور، فإنّها لا
تعود على ذوي الميت خصوصاً إذا كانوا فقراء إلاّ بالخسران والضرر المالي والنفسي،
كما أنها لا تعود على المجتمع ولا على الميت في مثل زماننا حتى لو كان من أصحاب
الأموال وكان صرفها في طعام الفاتحة لا يؤثّر عليه ولا على ورثته بالنفع الكثير، إذ
عامة الناس في غنىً عنها.
وحيث
إن الغاية من مجلس الفاتحة والعزاء هي حصول الثواب ونزول الرحمة على الميت، ينبغي
أن نلاحظ الموارد التي تنزل الرحمة بواسطتها ونجعلها عوضاً عن هذه
العادة.
والرحمة
إنّما تنزل عندما ينفع الإنسان نفسه وولده ومجتمعه ودينه، لا أن يقتصر على ما ينفع
به نفسه فقط، فقد علمت من الرواية المنقولة عن تشييع الرسول(ص) ذلك الرجل الذي تصدق
بجميع ماله وترك ولده وعياله بدون أن يُؤمّن لهم ما يسدّ حاجتهم ويحفظهم عن سؤال
الناس، أنه(ص) لم يرتض هذا التصرف لما فيه من الإضرار بولده وذويه.
وعلى
هذا نقطع بأنه لو كان عند المرء أموال وأوصى أن تصرف في الموارد التي سبق أن عرفتها
آنفاً لنزلت الرحمة ولَعادت هذه الأموال بالثواب الجزيل والنفع الكثير عليه وعلى
ولده ومجتمعه ودينه.

الفصل
الثالث
الولائم
المنصوصة
وليمة
النكاح
وليمة
النفاس
وليمة
العقيقة
وليمة
شراء الدار
وليمة
القدوم
الولائم
المنصوصة
الولائم
المنصوصة في بعض الروايات خمس
روى
الشيخ الصدوق عن الإمام أبي الحسن الأول(ع) أنه قال: قال رسول الله(ص):((لا وليمة
إلاّ في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وِكار أو رِكاز، فأمّا العرس فالتزويج
والخرس النفاس بالولد و العذار الختان و الوِكار الرجل يشتري الدار و الرِّكاز الذي
يقدم من مكة))([50][50]).
قال
الشيخ الصدوق (رحمه الله): سمعت أهل اللغة تقول: في معنى الوكار: يقال للطعام الذي
يدعى إليه الناس عند بناء الدار أو شرائها: الوكيرة، والوكار منه، ويقال للطعام
الذي يتخذ للقادم من السفر: النقيعة، ويقال له الركاز أيضاً، و الركاز الغنيمة كأنه
يريد أنّ في اتخاذ الطعام للقدوم من مكة غنيمة لصاحبه من الثواب الجزيل، ومنه قول
النبي(ص):((الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة))، وقال أهل العراق: الركاز المعادن
كلها، وقال أهل الحجاز:
الركاز
المال المدفون خاصة مما كنزه بنو آدم قبل الإسلام.([51][51])
انتهى كلامه رفع مقامه.
ومن
هذه الرواية يستفاد حصر الولائم في هذه الخمس المزبورة، لأنه كما يقول أهل اللغة:
الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، ولكن هذا الحصر في هذه الخمس لا على نحو المنع من
غيرها مطلقاً بل على نحو أن هذه الولائم الخمس أولى من غيرها، إلاّ إذا كان هناك
زجر عن غيرها على نحو الكراهة أو الحرمة كالتي فيها خمر ونحوه.
وبعد
ما عرفنا هذا نريد أن نبحث هذه الولائم بشيء من التفصيل:
1ـ
وليمة النكاح
الوليمة
في الزواج من المستحبات المؤكدة، فقد قال رسول الله(ص):((إن من سنن المرسلين
الإطعام عند التزويج))([52][52]).
وقال(ص):((الوليمة أول يوم حقّ، والثاني
معروف، وما زاد رياءٌ وسمعة))([53][53]).
ويستحب
أن يدعو إليها المؤمنين وأفضلهم الفقراء، ويكره أن يكون كلهم أغنياء ولا بأس
بالشركة، وقد أولم(ص) على بعض نسائه(*)كما
صرّح بذلك العلماء الأعلام والفقهاء العظام.
ولابد
من التنبيه على أن وليمة النكاح وإن كانت مستحبة إلاّ أن استحبابها مشروط بأن لا
تقف أمام الزواج وتعيقه، لأن في مسائل الإسلام دائماً نراعي مسألة الأهم ونقدمه على
المهم في حالة التزاحم، فلئن نزوج شخصاً أهم من الوليمة خصوصاً إذا كان بالشكل الذي
يجعل من يريد الزواج أن يعمل ألف حساب وحساب لأمر الوليمة، فإنه لأجل ما لحق وليمة
النكاح من صعوبات وتعقيدات تجد من يريد الزواج يفكر فيها كثيراً ويقول: ماذا أصنع؟
وكم ذبيحة أذبح؟ وكم شخص أدعو؟ و... و... و...؟.
وعند
ملاحظة الرواية التالية يتضح أن الزواج والجمع بين شخصين على سنة الله ورسوله أهم
من الوليمة بل ومن المهر المادي حتى مهر السنة، فقد روي أن رسول الله(ص) كان جالساً
مع أصحابه فجاءت إحدى النساء، وتحدثت من وراء حجاب، قالت: يا رسول الله زوّجني،
فالتفت الرسول(ص) إلى أصحابه وقال: من يريد منكم أن يتزوّج؟، فقام إليه أحدهم وقال:
أنا يا رسول الله(ص).
قال:
ما لديك من مهر؟، قال: لا شيء إلاّ هذا الذي أرتديه فقال الرسول(ص):هل تحفظ شيئاً
من القرآن؟.
قال:
نعم أحفظ سورة الواقعة، عندها قال الرسول(ص) للمرأة: هل ترضين بسورة الواقعة مهراً
لك؟ فأجابت بالقبول وتمّ العقد))([54][54]).
فبعد
الملاحظة يتّضح الأمر جلياً، فهل تتصوّر بأن الذي لا يجد مهراً باستطاعته أن يعدّ
وليمة؟.
ولكن
بما أن الزواج أهم من الوليمة قدّم عليها، بل إن من المستحبات المؤكدة هو أن يكون
المهر بمقدار مهر السنة وهو عبارة عن خمسمائة درهم ولكن أيضاً لما كان التزويج أهم
قدّم حتى على مسألة المهر.
الطريقة
المثلى لتقسيم المهر
وهنا
تنبغي الإشارة إلى مسألة المهر، فإنّا نقول لا بد من وجود المهر في النكاح، كما
أننا لا ندعو للمثالية في المهر، بأن يكتفى بمهر بسيط جداً، لأننا يجب أن نراعي
جانب المرأة في المهر أيضاً فهي كعروس تحتاج إلى مهر يظهرها بصورة لائقة بها، ولكن
يجب أن لا يكون المهر مانعاً من الزواج وذلك بأن تكون عامة الناس تتأذى منه لكثرته،
بل ينبغي أن يكون قليلاً ملبّياً ما تحتاج إليه العروس من أمور ضرورية لها كعروس،
ولذا حثّ الرسول(ص) على قلة المهر، فعن الصادق عن آبائه(ع) عن رسول الله(ص)
قال:((أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً))([55][55]).
وعنه(ع):((من
بركة المرأة خفة مؤونتها، وتيسير ولادتها، ومن شؤمها شدة مؤونتها وتعسير
ولادتها))([56][56]).
وروي:((إن
بركتها قلة مهرها ومن شؤمها كثرة مهرها))([57][57]).
وقال(ص):((لا
تغالوا في الصداق فتكون عداوة))([58][58]).
كما
أنه(ص) لمّا باع علي(ع) الدرع، وجاء بالثمن إلى رسول الله(ص) كمهر لفاطمة الزهراء
(عليها السلام) قسّم(ص) المبلغ أثلاثاً: ثلثاً لشراء الجهاز، وثلثاً لشراء الطيب
والعطر للزفاف، وثلثاً تركه عند أم سلمة ثم ردّه إلى علي قبيل الزفاف إعانة ومساعدة
منه إليه لوليمة الزفاف، ودفع
الرسول(ص) شيئاً من المال لأبي بكر ليشتري لفاطمة متاعاً لبيتها الزوجي وبعث معه
بلالاً، وسلمان ليُعيناه على حمل ما يشتري، وقيل: أردفه بعمار بن ياسر وجماعة، وقال
لأبي بكر: اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها.
قال
أبو بكر: وكانت الدراهم التي أعطاني إياها ثلاثة وتسعين درهماً، فحضروا السوق
فكانوا يعترضون الشيء مما يصلح، فكان مما اشتروه:
1ـ
فرشان من خيش مصر، حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر من جز الغنم (أي من صوف
الغنم).
2ـ
نطع من أدم (جلد).
3ـ
وسادة من أدم حشوها من ليف النخل.
4ـ
عباءة خيبرية.
5ـ
قربة للماء.
6ـ
كيزان (جمع كوز) وجرار (جمع جرّة) وعاء للماء.
7ـ
مطهرة للماء مزفَّتة.
8ـ
ستر صوف رقيق.
9ـ
قميص بسبعة دراهم.
10ـ
خمار بأربعة دراهم.
11ـ
قطيفة سوداء.
12ـ
سرير مزمَّل بشريط.
13ـ
أربعة مرافق من أدم الطائف حشوها اذخر (نبات معروف).
14ـ
حصير هجري ـ من خوص النخل.
15ـ
رحى لليد.
16ـ
مخضب من نحاس.
17ـ
قعب للبن.
18ـ
شنٌّ للماء([59][59]).
ونقلنا
هذه التفاصيل لما اشتري لبيتها المبارك ومنزلها الشريف ليعرف الجميع الكيفية التي
تعامل بها الرسول(ص) بمهر أعزّ الناس لديه شمّامته وريحانته فاطمة الزهراء سلام
الله وصلواته عليهما وعلى آلهما الطيبين الطاهرين، ونأمل أن تُتّخذ هذه الكيفية
والطريقة في تقسيم المهر قدوة في الحياة، ولئلا يخرج المهر عن
الوظيفة المثلى المرادة من ورائه بسبب بعض العادات والتقاليد العصرية.
وبعد
هذا كلّه نعرف أنه في مسألة المهر يجب علينا أن نراعي ونأخذ بعين الاعتبار كل من
الزوج والزوجة، والأحسن في ذلك هو مهر السنة لإخباره(ص) بأن أفضل نساء أمته أقلّهن
مهراً، وأمّا العادات والتقاليد التي هي من متطلبات الحياة العصرية ما هي إلاّ
تعقيدات وصعوبات في أمر الزواج ينبغي أن يوجد لها حلّ بتنسيق هذه المتطلبات العصرية
والحد من كثرتها كي لا تتضارب مع مهر السنة.
ولابد
أن نفهم أن المهر والزواج ليس هو مجرد شراء مجموعة كبيرة وكثيرة من الذهب والألبسة
الغالية الثمن وبدون شرائها سوف لن تكون الزوجة زوجة بالدرجة العالية أو أنها ستكون
زوجة غير موفقة في حياتها.
كلاّ
! بل لابد أن نفهم أن الزواج رباط مقدس وعلاقة أسمى من هذه الأمور المادية، وإذا
فهمنا هذا سوف نتقبل قول الرسول(ص) بكل رحابة صدر واحترام لمهر السنة.
ولذا
تجد من يتزوج المرأة لجمالها أو لمالها ولا يعرف للزواج قداسة وطهارة يصاب بنكبة
وشؤم وعسر في زواجه كما أخبروا بهذا عليهم السلام.
وليمة
النكاح في نظر الشيخ المظاهري
سماحة
الأستاذ معلم الأخلاق آية الله الشيخ حسين مظاهري، يعُدّ وليمة النكاح بهذا الشكل
من الصعوبات من الموانع للزواج، فقد ذكر في كتابه تحت عنوان:
ولائم
من غير حساب
المانع
الرابع (من موانع الزواج) هو الوليمة، ولا أعني تلك التي عدّها الإسلام من
المستحبات مثل تلك التي عملها الرسول الأكرم(ص) ودعا فيها جميع فقراء المدينة
احتفاءً بزواج الزهراء(ع) بعد أن ذبح خروفاً لذلك، وبعد الوليمة بعث الرسول الكريم
ما تبقى من
الطعام إلى المساكين والفقراء الذين لم يستطيعوا القدوم إلى منزله.
أمّا
الولائم التي نراها ونسمع بها اليوم، فلا يُعرف منها غير الأذى لأهل العروس، ولو
قدر لنا فتح صدر والد العروس الذي كان يتعذّر دائماً حين يطلب إليه تزويج ابنته،
لسمعنا صوتاً يأتي من خبايا ذلك الصدر يقول: لا أستطيع عمل وليمة بالشكل الذي عهده
الناس عند هذا وذاك، لذا نراه يتحجج بشتى الحجج، ويتوسل بكل الأعذار، عن تزويج
ابنته التي بلغت العشرين أو الخامسة والعشرين من عمرها، وبقيت أمامه يراها كل
يوم.
إن
الوليمة التي يصرف فيها والد البنت دم قلبه، لا يُثاب عليها لكونها لا تجرّ عليه
غير الضرر والخسران، ولا أعتقد أن هكذا ولائم تكون مباركة، لأن الله تبارك وتعالى
نهى عن الإسراف، وذمّ المسرفين، فأين هي من البركة؟([60][60]).
طبعاً
العادات فيمن يتحمل الوليمة وتبعاتها في البلدان الإسلامية مختلفة، ففي بعضها والد
البنت هو الذي يتحمل الوليمة وتبعاتها أمّا في مجتمعنا فوالد الزوج أو الزوج نفسه
هو الذي يتحمل تلك التبعات.
ولكن
الأمر المشترك هو أن هذه العادات جعلت الوليمة صعبة حتى عدّت من موانع الزواج، ونظر
الإسلام في مثل هذه العادات التي لا تخلو من الإسراف والعسر والحرج، هو الحرمة وعدم
قبوله بها والعمل بها خالٍ عن الخير والبركة.
الزواج
الجماعي يحلّ مشكلة الوليمة
فكرة
الزواج الجماعي فكرة انبثقت هذه الأيام بعد الصحوة الإسلامية العالمية والتي عمّت
بنفعها جميع المسلمين، وهي ظاهرة اجتماعية عالية المعنى والمضمون تنبئ عن وعي وفكر
خصب، وقد أتت هذه الظاهرة لتساعد على أهم أمر يبعد الإنسان عن الفساد ويأخذ بيده
نحو الرشاد، وأتت لتزيل عن المسلم ما يحول بينه وبين أن يحرز نصف دينه، لأنه بسبب
ما كبّلنا به أنفسنا من قيود وتعقيدات صارت مسألة الزواج صعبة جداً، ومن جملة هذه
التعقيدات الوليمة في الزواج فلقد جار الزمان على الزواج بسبب ما آلت إليه الوليمة
من تعقيدات لم ينزل به سلطان.
إلى
أن انبثقت فكرة الزواج الجماعي وحلّت هذه التعقيدات والقيود، وصار الأمر بدل أن
يتزوج كل شخص بمفرده ويعاني من تكاليف الوليمة لوحده صار الجميع يشتركون في وليمة
واحدة، فقلّت التكلفة وزالت المعاناة الفردية، وبهذا انحلت تعقيدات الوليمة وأصبح
الكل لا يخشى تكاليف الوليمة في الزواج، ولله الحمد والمنة، فقد شجّع الزواج
الجماعي الكثير على الإقدام على الزواج.
فمرحى
لكل من ساهم في هذا المشروع المحيي لسنة رسول الله(ص) بشكل جماعي، هذا المشروع الذي
أزال مشكلة الوليمة وخفّف مؤنها على المتزوّج.
والزواج
الجماعي علاوة على ذلك نشاط ثقافيّ إسلاميّ أخويّ، تتبلور فيه روح التعاون
والمساعدة على فعل الخير لأنه وكما أعرف أن جميع العاملين فيه لا يتقاضون أموالاً
إزاء خدمتهم، وهذا عمل جهاديّ يستحقّ الإكبار والتقدير.
وإذ
ننوه بهذه الفكرة ونشيد بهذه الظاهرة العالية المعنى والمضمون، ينبغي الانتباه
والحذر من أن يبتعد الزواج الجماعي عن هذا المنحى والاتجاه ويتجاوزه، وينبغي
التحذير من كل أمر يعقّد الزواج الجماعي، ويجعله يفقد الغاية التي رسم من أجلها،
وهي: التخفيف من مؤونة الوليمة في الزواج على الفرد المتزوّج.
المخاطر
على الزواج الجماعي
إنما
شجّع الكل من علماء وغيرهم فكرة الزواج الجماعي، لأنه أزال بعض ما يعيق أمر الزواج
هذه السنة المؤكدة التي حثّ رسول الله(ص) عليها، بقوله(ص):((الزواج سنتي ومن رغب عن
سنتي فليس مني))([61][61]).
ولله
الحمد والمنة فقد لاقى الزواج الجماعي رواجاً كبيراً، ونجاحاً منقطع النظير، وشجّع
الكثير على الإقدام على الزواج بدون أن يخشى تكاليف الوليمة.
إلاّ
أن ظاهرته أخذت تشقّ طريقاً غير الذي أعدّت من أجله وهو عبارة عن:(التخفيف من مؤن
تكاليف الوليمة في الزواج)، إذ تلاحظ هذه الأيام أن الزواج الجماعي صار ظاهرة رسمية
مقيّدة بقيود جعلت إقامته بالشكل المعروف هذه الأيام أمراً صعباً يحتاج إلى
استعدادات كبيرة جداً ومكلفة أيضاً فلأجل أن يظهر مهرجان لزواج جماعي معين بأحسن
صورة ويأخذ الأوّل على جميع مهرجانات الزواج الجماعي في المنطقة، جاءت المزايدات
التي هربنا منها حتى ابتعدنا عن الأهداف المرجوّة، وأضحت روح المنافسة والمسابقة
فيما بيننا لإظهار التفوّق والفخر على الآخرين، بدل أن تكون للتخفيف من مؤن الزواج،
مع أن مبدأنا في المنافسة قوله تعالى:)فاستبقوا
الخيرات(([62][62]).
لا
أن نتنافس لإظهار التفوّق على الآخرين وننسى التخفيف من مؤن الزواج، وعلى اثر ذلك
أصبح كل عام يكثر المبلغ المراد المساهمة به في الزواج الجماعي حتى صار في بعض
البلدان يضاهي الزواج الفردي.
مثل
هذه القيود والتعقيدات في الزواج الجماعي لا شك ولا ريب أنها ليست في صالح إحياء
سنة الزواج، إذ أساس فكرة الزواج الجماعي هي: أن تتاح الفرصة لكل أحد يريد الزواج،
الفقير والغني على حدّ سواء، بحيث لا يجد صعوبة في تحمل مؤن الزواج.
وأنت
ترى أن هذه القيود لا تخدم الزواج الجماعي، بل ربما تؤدي إلى الانصراف عنه إلى
الزواج الفردي، إذا ما ضارع الزواج الفردي من حيث المؤونة، ولصعوبة إقامته بهذه
القيود وسهولة الزواج الفردي الذي لا توجد فيه مثل هذه القيود.
فلذا
يقترح أن ينظر في مسألة رسمية الزواج الجماعي، بأن يقام بشكل جمعية مثلاً، فعوض أن
نعمل المخيم بالشكل الكذائي، والذي يكلف مبلغاً طائلاً، لماذا لا نقيمه في حسينية
مثلاً بدلاً عن المخيم؟، وعوض أن ندعو جميع القرى والمدن المجاورة، لماذا لا يقتصر
في الدعوة على أهل البلدة وعلى أصدقاء وأقارب المتزوجين من غيرها بدل أن نصنع وليمة
كبيرة كي تكفي جميع الحضور من المنطقة؟
لأنك
قد عرفت أن الزواج والجمع بين شخصين على شرع الله أهم من الوليمة، بل هو أهم حتى من
المهر المادي كما تقدم في الرواية السابقة.
ومن
خلال ما تقدم اتضح أنه يجب علينا في الزواج الجماعي أن لا نتصعّب في وليمته ونأتي
بقيود أخرى تعقد أمر الوليمة فيه، لأننا عندئذٍ سنقع فيما هربنا منه، ولأن إقامة
الوليمة بالشكل السابق وبتلك الرسمية سوف تفقدنا الغرض الأساسي الذي نشأ الزواج
الجماعي من أجله وهو: التخفيف من مؤن وليمة النكاح.
بل
يمكن أن نقتصر في الوليمة على ما يصنعها كل متزوّج في منزله ويدعو عليها بعض
المؤمنين ممن يعزّ عليه، كما هو متعارف عليه عندنا هذه الأيام، لنكون بذلك قد عملنا
بالاستحباب المأمور به في الزواج وهو صنع الوليمة، لأن هذا الاستحباب يتحقق بأدنى
وليمة تصنع ويدعى عليها بعض المؤمنين لا سيّما الفقراء، كما تقدم.
وأمّا
بالنسبة إلى حفل ومهرجان الزواج فالأفضل أن يكون بصورة بسيطة بدل هذه الوليمة
الكبيرة التي يمكن أن تطعم عدّة قرى بل عدّة مدن، وليكن الحفل بشكل ما يسمى
(مرطبات)، ولله الحمد فقد جرّبت هذه الفكرة في بعض القرى ولاقت نجاحاً وتأييداً
وتشجيعاً من قبل بعض المصلحين من طلبة علوم الدين(دامت إفاضاتهم) كما لاقت تأييداً
من قبل بعض عامة المؤمنين(دامت بركاتهم) ولولا الأنس الذهني والارتكاز الوجداني
بذاك النحو من ولائم النكاح للاقت تشجيعاً من قبل جميع المؤمنين، وهذا الأنس الذهني
كان وليد العادة السابقة يزول بتغيّرها إلى عادة جديدة كما لا يخفى.
كل
هذه الأمور لابد من التنبه إليها وإزالتها كي لا تقف في طريق الزواج وبالخصوص
الزواج الجماعي المحيي لسنة رسول الله بشكل جماعيّ أكثريّ، لأنه(ص) يفرح ويسرّ لمثل
هذه الظاهرة التي تحي سنته بهذا النحو.
الزواج
الجماعي لم يحل جميع العوائق أمام الزواج
يجدر
بنا أن لا نقنع بما حققه الزواج الجماعي من نتائج ونجمد عند هذا المقدار من
الإنجازات، فإن عوائق الزواج لا تزال قائمة والتي منها غلاء المهور، وتهيئة لوازم
المعيشة الزوجية الجديدة.
أمّا
بالنسبة إلى غلاء المهور فإنا لا ندعو إلى الزواج بدون مهر أو بمهر رمزي، فإن
الإسلام لا يرضى بذلك وقد حدّد مقداراً للمهر ينبغي أن يتّخذ منهاجاً يسار عليه في
تحديد المهر، وهو عبارة عن خمسمائة درهم وهو ما يسمى بِمهر السنة.
إضافة
إلى ما تتطلبه وتفرضه الحياة العصرية على الزوجة من أن تمتلك بعض الحاجيات التي لا
تستطيع تملكها في الأغلب إلاّ من خلال المهر، فلذا ينبغي ملاحظة هذا الأمر
والاعتدال فيه وإنصاف كل من الزوجين من ناحيته.
وأمّا
بالنسبة إلى تهيئة لوازم المعيشة الجديدة فهي المشكلة الكبرى على مستوى العالم
الإسلامي، ففي مجتمعنا يكون الزوج هو المسؤول عن توفير المنزل وجميع ما يحتاجه، وفي
بعض المجتمعات الإسلامية الأخرى تشارك الزوجةُ الزوجَ في توفير بعض لوازم المنزل
الجديد، ويكون
والد الزوجة أو المسؤول عن إعالتها هو الملقى على عاتقه توفير تلك الحاجيات، حتى
أنه في بعض المجتمعات يهيأ لذلك بعد ولادة البنت بقليل منذ سنيها الأولى، وقد طرحت
هذه الحالة على مستوى فقهنا الإسلامي في باب (الخمس) بهذا النحو هل أن (جهيزية
العروس) وما يجمع لجهازها وتجهيزها فيه الخمس إذا دار عليه الحول أولا؟.
وقد
أفتى بعض علمائنا بعدم وجوب الخمس في ذلك والبعض الآخر بوجوبه، وطرحها بهذا المستوى
يظهر مدى ما تشكّله من عمقٍ لمشكلة تهيئة لوازم المعيشة الجديدة بحيث تكون
الاستعدادات لها مبكّرة ومن صغر البنت وعلى فترات طويلة من الزمن.
وكما
تلاحظ فإن كلّ هذه المسؤوليّات العرفية ناتجة عن إيجاد حلّ لعوائق الزواج، فتجد
بعضٌ يلقي بمسؤولية توفير المنزل وحاجيّاته على الزوج فقط والبعض الآخر يجعل للزوجة
نصيباً من المسؤولية أيضاً.
ومع
أن جميع المجتمعات الإسلامية تعرف أن رأي الفقه الإسلامي هو أن الزوج هو المسؤول عن
توفير المسكن وما يحتاجه إلاّ أنّ لبعض المجتمعات عادات ومسئوليات عرفية تجعل
الزوجة مسئولة عن مشاركة الزوج في توفير حاجيّات المنزل وأثاثه، وهذه العادات إنّما
نشأت كما يبدو من صعوبة ما يلاقيه الزوج من توفير المنزل وأثاثه، وكإيجاد حلّ لهذه
المشكلة جُعِل الزوج في بعض المجتمعات مسئولاً عن توفير المنزل فقط ولو بالإجارة،
وجعلوا الزوجة مسئولة عن توفير الأثاث للمنزل.
ونحن
هنا لا نخاطب فئة بعينها ونشجّعها في رأيها وعاداتها، وإنما نحاول أن نستشعر
محسّنات كل عادة تخدم الزواج الذي طالما حثّ عليه رسول الله(ص)، ولعلّها تتّخذ قدوة
يسار عليها في تيسير أمر الزواج، وإزاحة عوائقه، وإن كان لكلّ وجهة في شرعنا
الإسلامي، فالأوّل ما أوجبه على الزوج من توفير المسكن وحاجيّاته لدخوله في النفقة
الواجبة، والثاني ما صنع رسول الله(ص) من تقسيم مهر فاطمة الزهراء(عليها السلام)
إلى ثلاثة أثلاث: ثلث لشراء الجهاز، وثلث لشراء الطيب والعطر للزفاف، وثلث تركه عند
أم سلمة ثم ردّه إلى علي قبيل الزفاف إعانة ومساعدة منه إليه لوليمة الزفاف، والذي
يستفاد منه توظيف جزءٍ من المهر لشراء بعض لوازم المنزل ولو على وجه الندب
والاستحباب من باب المعاونة على البر والتقوى.
عادات
أهل المدينة المنورة
إضافة
إلى ما عرفنا من المنهجين اللذين يسار عليهما في العالم الإسلامي، سنطرح بعض عادات
أهل المدينة المنورة(سلام الله وصلواته على من شرّفها ونوّرها به وعلى آله
الطاهرين) لما تشكّله من طرح جديد حسب إطّلاعي في حلّ بعض مشكلات
الزواج.
ففي
المدينة المنورة يقوم الزوج بتوفير المنزل، وبعدها يقوم أقاربه الأقربون كاخوته
وعمومته بتأثيثه من مواد أساسية كالثلاجة والغسالة ونحوهما، وكانت عندهم عادة تسمّى
(بالفزعة) وهي أن يفزع الكل من بنّائين وعمّال وغيرهم لبناء محلّ سُكنى المتزوّج من
دون أن يتقاضوا أجرة على عملهم ذلك، لكنّ هذه العادة ربما اندثرت كما سمعت من
أحدهم.
وعندهم
عادة أخرى جداً لطيفة وهي ما تُعرف عندهم (بالجود ـ بالجيم المصرية ـ) وتعني عندهم
(الرّفدة) وهذه العادة هي أن جميع المدعوّين لحفل الزواج يأتي ببعض حاجيّات المنزل
من مواد غذائية أو غيرها، ولكن لصعوبة نقل هذه المواد تحوّلت عندهم هذه العادة إلى
عادة أحسن منها، وهي أن يجلس أحدهم بحقيبة وبدفاتر ما يسمّى (بسند قبض) ليستلم
مبلغاً رمزياً بمقدار ما كان يأتي به من مواد غذائية أو غيرها، ثم يسجّل اسمه
ويعطيه وصلاً (سند قبض) بالمبلغ الذي استلمه، وعندئذٍ تتوفّر أموال يستطيع المتزوّج
أن يستعين بها على حياته الجديدة، ويستلمها صبيحة العرس عندما يأتي أقاربه وأهله
ويضعون أمامه الحقيبة المملوءة بالأموال وأسناد القبض، ومن ثَمّ تكون هناك مسئولية
عرفية على هذا المتزوج بمساعدة من ساعده أو مساعدة أبناء أو اخوة من ساعده في
زواجهم، طبعاً هذه هي فائدة أسناد القبض.
ومن
هذه العادة يبدو أن المدعوّين يكونون كالدائنين ويتسلّمون ديونهم على فترات غير
محدّدة من حيث طول المدّة، كما أنّ تأدية هذه الديون سهلة للغاية حيث إن المبلغ
المطلوب تأديته رمزياً إذ تأديته لكلّ واحد إنّما تكون في زواجه أو زواج من يعزّ
عليه وهذه غير محدّدة من حيث طول المدة، فقد لا يؤدّي إلاّ لأشخاص على عدد أصابع
اليدين في السنة الواحدة.
المساعدة
على التزويج
حثّ
الإسلام على المساعدة في التزويج ففي (الوسائل) عن النبي(ص) قال:((من عمل في تزويج
بين مؤمنين حتى يجمع بينهما زوجه الله عزّوجلّ ألف امرأة من الحور العين كل امرأة
في قصر من درّ وياقوت، وكان له بكل خطوة خطاها أو بكل كلمة تكلم بها في ذلك عمل سنة
قيام ليلها وصيام نهارها، ومن عمل في فرقة بين امرأة وزوجها كان عليه غضب الله
ولعنته في الدنيا والآخرة، وكان حقاً على الله أن يرضخه بألف صخرة من نار، ومن مشى
في فساد ما بينهما ولم يفرّق كان في سخط الله عزّوجلّ ولعنته في الدنيا
والآخرة))([63][63]).
عرفنا
أن الزواج الجماعي حلّ مشاكل وليمة النكاح لكن ينبغي للجميع أن يجدوا حلولاً
للعوائق الأخرى التي ما زالت تثقل كاهل من يريد التزويج، وليبشروا بالثواب الجزيل
على إسهامهم في ذلك، لأن إزالة عوائق الزواج ولو بكلمة مما حثّ عليه ديننا الحنيف
ورتّب ثواباً كبيراً للذي يعمل في مجالها فحتى الخطوة في ذلك لها وزنها وقيمتها
وثوابها الذي لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى.
2ـ
وليمة العذار
ووليمة
العذار أو الختان هي المعبر عنها بالعقيقة، فإنه يستحب في يوم سابع الطفل حلق رأسه
والتصدق بوزنه ذهباً أو فضة، والعقيقة عنه وختانه.
قال
الصادق(ع):((عقّ عنه واحلق رأسه في اليوم السابع)).
وعنه(ع)
قال:((اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنه أطهر وأسرع لنبات اللحم، وإن الأرض لتكره بول
الأغلف)).
العقيقة
هي:الذبيحة التي تذبح عن المولود وأصل العق: الشق، وقيل للذبيحة: عقيقة لأنها يشقّ
حلقها([64][64]).
والعقيقة
في الاصطلاح: هي شاة أو بقرة أو بدنة تجتمع فيها شرائط الأضحية، وهي السلامة من
العيوب، والسمن، والسن، ويجزي فيها مطلق الشاة.
قال
الصادق(ع):((إنّما هي شاة لحم ليست بمنزلة الأضحية يجزي منها كلّ
شيء)).
ويستحب
مساواتها للمولود في الذكورة والأنوثة، فإن كان ذكراً عقّ عنه ذكراً، وإن كان أنثى
عقّ عنها أنثى.
وهي
في نفسها مستحبة مؤكدة عن المولود في اليوم السابع، وإن كان يبقى الاستحباب إذا لم
يعقّ في ذلك اليوم، فقد روي عن الصادق(ع) أنه قال:((العقيقة واجبة وكلّ مولود مرتهن
بعقيقته)).
وفي
(دعائم الإسلام) قال رسول الله(ص):((كلّ مولود مرتهن بعقيقته، فكّه والداه أو
تركاه)).
ومعناه
أنّ المولود الذي لم يعقّ عنه سوف يكون عرضة للبلاء من مرض ونحوه أكثر من غيره،
ويستطيع والداه أن يخلّصاه من ذلك بالعقّ عنه، لذلك ورد في الدعاء عند ذبحها:((بسم
الله وبالله اللهم هذه عقيقة عن فلان لحمها بلحمه، ودمها بدمه، وعظمها بعظمه، اللهم
اجعله وِقاءً لآل محمد صلى الله عليه وآله)) رواه الكرخي عن الإمام الباقر والصادق
عليهما السلام، فيستحب أن يسأل الله أن يجعلها فدية لحماً بلحمٍ، وعظماً بعظمٍ،
وجلداً بجلدٍ.
ولا
يكفي الصدقة بثمنها، وإن تعذرت بل ينظر الوجدان بخلاف الأضحية فإنه يكفي التصدق
بثمنها إذا تعذّرت، قيل للإمام الصادق(ع): إنّا طلبنا العقيقة فلم نجدها فما ترى
نتصدق بثمنها، فقال(ع):((لا، إنّ الله تعالى يحبّ إطعام الطعام، وإراقة الدماء)).
ولو
بلغ الولد ولما يُعقّ عنه استحبّ له العقّ عن نفسه، وإن شكّ الولد هل عقّ عنه
أولا؟، فليعقّ هو عن نفسه.
فعن
عبد الله بن سنان عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إني والله ما أدري كان
أبي عقّ عنّي أم لا؟، قال: فأمرني أبوعبدالله(ع) فعققت عن نفسي وأنا شيخ كبير، وقال
عمر: سمعت أبا عبد الله يقول:((كلّ امرء مرتهن بعقيقته، والعقيقة أوجب من
الأضحية)).
ويكره
للوالدين أن يأكلا منها شيئاً، وكذا
من في عيالهما، لقول الصادق(ع):((لا يأكل هو ولا أحد من عياله من العقيقة)).
ويستحب
أن يدعى لها المؤمنون، وأقلّهم عشرة قال الإمام الصادق(ع):((يطعم منه عشرة من
المسلمين، فإن زاد فهو أفضل)).
ويكره
أن تكسّر عظامها، بل تفصّل أعضاء، وفي الخبر السابق:((لا يعطيها إلاّ لأهل
الولاية)) وهم أهل قريته أو محلته.
ويستحب
أن تطبخ طبخاً دون أن تفرق لحماً أو تشوى على النار.
إكرام
القابلة
القابلة
تخص من العقيقة بالرجل والورك، وفي بعض الأخبار أن لها ربع العقيقة، وفي بعضها
ثلثها، ولو لم تكن قابلة تكون حصتها للأم فتتصدق به لأنه يكره لها أن تأكل منها.
إكرام
القابلة غير المسلمة
روى
عمّار الساباطي عن الصادق(ع) قال:((إن كانت القابلة يهودية لا تأكل من ذبيحة
المسلمين أعطيت ربع قيمة الكبش يشترى منها))([65][65]).
وهذه
الحالة لها واقع خارجي في مجتمعنا كثيراً، فينبغي أن تعطى القابلة غير المسلمة
مبلغاً من المال مقابل المقدار المخصوصة به من العقيقة، ويكون ذلك بنية أن يشترى
منها ذلك المقدار الذي هو عبارة عن ربع الذبيحة.
الأُضحية
تجزي عن العقيقة
في
(الفقيه) عن عمّار الساباطي عن الإمام الصادق(ع) قال:((العقيقة لازمة لمن كان
غنياً، ومن كان فقيراً إذا أيسر فعل، فإن لم يقدر على ذلك فليس عليه شيء، وإن لم
يعق عنه حتى ضُحّي عنه فقد أجزأته الأضحية، وكل مولود مرتهن بعقيقته، وقال: العقيقة
يذبح كبش فإن لم يوجد كبش أجزأه ما يجزي في الأضحية، وإلاّ فَحَملٌ أعظم ما يكون من
حِمْلان السنة)).
3ـ
وليمة الخرس
ووليمة
الخرس أو النفاس بالولد هي ما تصنع بعد الولادة كما يستفاد من رواية (الخصال)
المتقدمة، ويدعى عليها المؤمنون، خصوصاً الفقراء منهم، ولا يخفى أن هذه الوليمة غير
وليمة العقيقة، فلا يشترط فيها ما كان يشترط هناك، فحتى لو لم تكن فيها ذبيحة يتحقق
هذا المطلوب على أيّة وليمة، والله العالم.
4ـ
وليمة شراء الدار أو بنائها
وكذا
ينبغي صنع وليمة إذا اشترى المسلم داراً أوبناها، وصاحب الوسائل عقد باباً
بعنوان:(باب أنه يستحب لمن بنى مسكناً أن يصنع وليمة، ويذبح كبشاً سميناً، ويطعم
لحمه المساكين، ويدعو بالمأثور).
ونقل
عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه(ع) أنه قال: قال رسول الله(ص):((من
بنى مسكناً فذبح كبشاً سميناً وأطعم لحمه المساكين، ثم قال: اللهم ادحر عني مردة
الجن والإنس والشياطين، وبارك لي في بنائي، أُعطي ما سأل))([66][66]).
وفي
(المستدرك) روى عن الشيخ إبراهيم الكفعمي في (مجموع الغرائب) عن النبي(ص) أنه
قال:((من بنى مسكناً فليذبح كبشاً، وليطعمه المساكين وليقل: اللهم ازجر عني وعن
أهلي وولدي مردة الجن والشياطين، وبارك لي فيه بنزولي، فإنه يعطى ما سأل إن شاء
الله تعالى))([67][67]).
5ـ
وليمة القدوم من مكة المكرمة
وينبغي
أيضاً أن تصنع وليمة للقدوم من مكة، كما ذكر ذلك في رواية (الخصال) المتقدمة
وغيرها، وفي بعضها الآخر ((وليمة للقدوم من السفر))، مما قد يفيد العموم إذا لم
تخصّصه هذه الرواية.
وهذه
الوليمة كانت متعارفة في مجتمعاتنا سابقاً، فقد حدثني أحد الآباء عن هذه الوليمة،
وقال: كانت سيرتنا في الزمن السابق إذا تشرف أحدنا بالذهاب إلى مكة وأداء الحج، إذا
قدم من مكة يصنع وليمة ويدعو عليها المؤمنين، وكانت طريقتنا المتبعة في ذلك هي
أن تكون
الدعوة لولائم القدوم من مكة في كل يوم عند حاج إلى أن تصل النوبة إلى آخر واحد من
حجّاجنا في تلك السنة.
وعلى
ما يبدو أن هذه السيرة كما تلاحظ آتية من هذه الرواية:
((لا وليمة إلاّ في خمس... الخ)).
وأما
هذه الأيام فإن العادات تختلف فالناس تزور الحاج وتسلم عليه وتبارك له الحج في
منزله، ولعل أحسن عادة هو ما يتبع في بعض البلدان من الاجتماع بجميع الحجاج أو
المعتمرين في الليلة الأولى من قدوم الحجاج والمعتمرين بعدما يكون قد أخذ قسطاً من
الراحة طيلة نهاره في أحد حسينيات البلد ثم يقوم أهل البلد بالتسليم عليهم والتبريك
لهم على أداء الحج والعمرة.
وهذه
العادة وإن كان لا يوجد فيها وليمة القدوم إلاّ أن فيها تسهيلاً وتخفيفاً من عناء
التعب على الحاج الذي جاء للتوّ من السفر، فإن بعض المؤمنين لفرط اشتياقه لصديقه
وحبيبه ربما يتسبب في إزعاجه من حيث لا يشعر، فيأتي للزيارة عند أول ما يسمع بقدوم
الحاج، كما ويمكن تطوير هذه العادة بالتنسيق أكثر وتصنع وليمة القدوم كي يتحقق
الاستحباب للكل وذلك بأن يشترك جميع حجاج البلد(القرية أو المحلة) في ذلك.

الفصلالرابع
فقهالمسألة
الفتاوى
الروايات
المناقشة
النتيجة
وليمة
الفاتحة في نظر الشارع المقدس
إذا
أوصى أحد بمثل هذه العادة المعروفة (الوليمة لمأتم عزائه) من ثلثه، فيجب تنفيذ
الوصية، ولكن الكلام في هل أن هذه العادة مطلوبة بما هي هي على نحو الاستحباب
النفسي، أو على نحو الاستحباب الغيري؟.
ـ
أوجه.
ثم
هل أن الأكل منها مستحب أو مكروه حتى لو أوصى بذلك؟.
ـ
أوجه.
ونريد
أن نتوصل إلى معرفة أيّ منها الراجح من خلال ما يلي: ـ
أولاً:
هذه الوليمة ليست أحد الولائم الخمس المنصوصة المتقدمة.
ثانياً:
الموجود في الروايات هو أن جيران الميت يستحب لهم أن يبعثوا بالطعام لأهل الميت
لأنهم في شُغل عن الطبخ بميتهم وبالحزن عليه.
ثالثاً:
لم يرد استحباب خاص لهذه العادة من الشارع المقدس، وإليك ما ورد من فتاوى ونصوص حول
هذا الشأن:
فقه
المسألة
أ
ـ الفتاوى
1ـ
ذكر آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي(عليه الرحمة) في كتابه الشريف (العروة
الوثقى) في مستحبات الدفن، انه، يستحب إرسال الطعام إلى أهل الميت ثلاثة أيام،
ويكره الأكل عندهم، وفي خبر أنه عمل أهل الجاهلية.
وقد
وافقه المراجع العظام على هذه المسألة، فلم يعلّق أحدهم في مقام الفتوى عليها مشعر
بالخلاف، وإن علّق بعضهم تعليقاً إجمالياً على جميع المستحبات التي ذكرها(قدس سرّه)
للدفن، كآية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الإستدلالي (تعليقات
على العروة الوثقى) بقوله: بعض هذه الأمور الأربعين لا دليل عليه يعتد به وبعضها
مستند إلى أخبار غير معتبرة لا يتمّ أمرها إلاّ من باب التسامح في أدلة السنن وقد
مرّ عدم تماميته عندنا فيؤتى بها رجاءاً([68][68]).
2ـ
وذكر آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي، في رسالته، أنه: تستحب التعزية وتسلية
أصحاب العزاء بعد الدفن، ولكن إذا مضت مدة ونسيت المصيبة وكانت التعزية سبباً
لتذكرها فالأفضل تركها، وكذا يستحب أيضاً إرسال الطعام لأهل الميت المصابين به إلى
ثلاثة أيام، وأمّا الأكل عندهم فمكروه.
3ـ
وذكر آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، في (زبدة الأحكام) أنه: يستحب أن
يعزى ذوي الميت ولكن إذا مضت مدة ونسيت المصيبة وكانت التعزية سبباً لتذكرها
فالأفضل تركها، وكذا ينبغي إرسال الطعام لأهل الميت المصابين به إلى ثلاثة أيام.
ونحو
هذا ذكر غيرهم من العلماء الأعلام والمراجع العظام(أعلى الله كلمتهم أجمعين).
ب
ـ الروايات
1ـ
في (الفقيه) قال الإمام الصادق(ع):((الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية،
والسنة البعث إليهم بالطعام كما أمر النبي(ص) في آل جعفر بن أبي طالب(ع) لمّا جاء
نعيه(*)))([69][69]).
ومن
هذا اللسان الشديد اللهجة لهذه الرواية يظهر أن كراهة الأكل عند ذوي الميت مغلظة
جداً لأنها من عادات الجاهلية ولابدّ أن تُحارب كما حوربت بعض العادات الجاهلية
الأخرى التي لم يرتضها الإسلام.
وأيضاً
تشير هذه الرواية إلى أن هذه العادة من العادات الجاهلية السيئة التي يجب على
المسلم أن لا يتّبعها، كما أنها منافية لمكارم الأخلاق، إذ ليس من الخُلق أن يثقل
عاتق أهل المصاب بشؤون الضيافة مع ما هم فيه من المصاب، لأن هذا أبعد ما يكون عن
المواساة التي هي من مكارم الأخلاق، والرسول(ص) إنّما بُعِث ليُتمّ مكارم الأخلاق
كما روي عنه ذلك(ص).
وليمة
الفاتحة عمل غير حضاري
كما
أن نسبتها إلى الجاهلية مشعر بأنها عمل غير حضاري وخالٍ من التعقل والفكر؛ لأن
الجاهلية معناها عدم الحضارة والفكر والتعقل، فنظرة واحد على حديث المناهي الذي نهى
رسول الله فيه عن بعض عادات أهل الجاهلية كالنهي عن بيع الحصى ونكاح الشغار .. الخ،
تجد أن تسمية تلك الفترة بالجاهلية إنما هو لعدم وجود الفكر والتعقل عندهم فإن بيع
الحصى فيه من الغرر والجهالة بالمبيع ما يتحسر عندها كل صاحب شعور.
وكذا
قوله سبحانه وتعالى:)ولا
تبرّجن تبرج الجاهلية الأولى(، فإن نسبة التبرج وعدم ارتداء الحجاب إلى الجاهلية مشعر بأن هذا
العمل خالٍ من التعقل وبالتالي هو عمل غير حضاري ومدني، وأما الصيحات الجديدة التي
تصف التبرج والسفور بالمدنية والحضارة فما هي إلاّ من أناس جهال يريدون أن يخدعوا
المرأة ويلبسوا عليها الأمر بحيلهم كي يصلوا إلى رغباتهم وشهواتهم الحيوانية، وما
هم إلاّ أناس مبهورون بالغرب صاحب جاهلية هذا القرن، وأين هم عن كلام العزيز
الحكيم:)ولا
تبرّجن تبرج الجاهلية الأولى(، فأي مدنية وحضارة في السفور بعد كلام رب العالمين الكاشف عن جميع
المصائب والمشاكل التي تتعرض إليها المرأة بسبب السفور بهذا التعبير
الوجيز)ولا
تبرّجن تبرج الجاهلية الأولى(، فكفاك به رادع من حكيم خبير لكل من وصف نفسه بأنه عاقل أو عاقلة.
وكذا
ما نحن فيه من الأكل عند أهل المصيبة، فنسبته إلى الجاهلية مشعر بأنه خالٍ من الفكر
والتعقل، وكفى بالضرر والعسر والحرج الذي يقع فيه أغلب الناس من أهل المصيبة شاهد
على ذلك.
2ـ
عن أبي بصير عن الصادق(ع) قال:((ينبغي لصاحب الجنازة أن لا يلبس رداءً، وأن يكون في
قميص حتى يعرف، وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام))([70][70]).
3ـ
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال:((لمّا جاء نعي جعفر(ع)
قال(ص):((اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم، أو أمر
يشغلهم))([71][71]).
4ـ
ونقل صاحب المستدرك عن (فقه الرضا):((والسنة في أهل المصيبة أن يُتّخذ لهم ثلاثة
أيام طعاماً لشغلهم في المصيبة))([72][72]).
5ـ
وقال صاحب البحار العلامة المجلسي: وأمّا استحباب بعث الطعام ثلاثة أيام إلى صاحب
المصيبة فلا خلاف بين الأصحاب في ذلك، وفيه إيماء إلى استحباب اتخاذ المأتم ثلاثة
أيام، بل على استحباب تعاهدهم وتعزيتهم ثلاثة أيام فإن الإطعام عنه يدلّ على اجتماع
الناس للمصيبة.
قال
في (الذكرى) بعد ذكر بعض أحكام التعزية: ولا حدّ لزمانها عملاً بالعموم.
نعم
لوأدّت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى، ويمكن القول بثلاثة أيام لنقل
الصدوق عن أبي جعفر(ع):((يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات)).
ونقل
الصدوق عن الصادق(ع) أن النبي(ص): أمر فاطمة(ع) أن تأتي أسماء بنت عميس ونساءها وأن
تصنع لهم طعاماً ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة.
وقال
الصادق(ع):(( ليس لأحد أن يحد أكثر من ثلاثة أيام إلاّ المرأة على زوجها حتى تنقضي
عدتها))، قال: وأوصى أبو جعفر(ع) : بثمان مائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة؛
لأن رسول الله(ص) أمر باتخاذ طعام لآل جعفر))، وفي كل هذه إيماء إلى ذلك.
والشيخ
في (المبسوط) نقل الإجماع على كراهة الجلوس للتعزية يوماً أو يومين أو ثلاثة، وردّه
ابن إدريس بأنه اجتماع وتزاور، ونصره المحقق بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة
والأئمة الجلوس لذلك، فاتّخاذه مخالف لسنة السلف، ولا يبلغ التحريم.
قلتُ:
الأخبار المذكورة مشعرة به، وشهادة الإثبات مقدمة، إلاّ أن يقال:لا يلزم من عمل
المأتم الجلوس للتعزية، بل هو مقصور على الاهتمام بأمور أهل الميت لانشغالهم
بحزنهم، لكن اللغة والعرف يشهدان بخلافه، قال الجوهري: المأتم النساء يجتمعن، قال:
وعند العامة المصيبة، وقال غيره: المأتم المناحة، وهما مشعران
بالاجتماع([73][73]).
انتهى كلامه رفع مقامه.
استنتاج
مما تقدم
من
خلال ما تقدم من فتاوى وروايات اتضح أن استحباب الأكل عند ذوي الميت غير صحيح، بل
هو مكروه.
المناقشة
فتوى
ورواية مناقضتان لما تقدم
ولكن
مع ذلك ذكر في (العروة الوثقى) في آخر مستحبات الدفن أنه: يستحب الوصية بمال لطعام
مأتمه بعد موته.
وورد
أيضاً في (الفقيه) أن أبا جعفر(ع)، أوصى بثمان مائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك
للسنة، لأن رسول الله(ص) قال:((اتّخذوا لآل جعفر بن أبي طالب طعاماً فقد
شُغِلوا))([74][74]).
وهذه
العبارات كما تلاحظ تنافي ما تقدم، بتقريب أنه إذا كان يستحب للإنسان أن يوصي بمال
لطعام مأتمه فيلزم منه استحباب الأكل من قبل الآخرين عند ذوي الميت، وهو كما ذكر
مكروه، فكيف الجمع بين استحباب الوصية بمال لطعام المأتم وبين كراهة الأكل من قبل
الآخرين عند ذوي الميت، إذ لا يتصوّر أمر باستحباب الوصية بالإطعام ونهي بكراهة
الأكل مما هو مستحب الوصية به وممن هم موصى لهم به، فلابدّ من مناقشة
(*)
هذا الأمر فنقول وبالله التوفيق:
إن
تطبيق هذا الاستحباب على مثل هذه العادة (الغذاء لمدة ثلاثة أيام) مع ملاحظة ما
تقدم من الفتاوى والروايات، وهو(استحباب إرسال الطعام لأهل الميت، وكراهة الأكل
عندهم) ومع ملاحظة العسر والحرج الذي يقع فيه معظم الناس، ومع الأخذ بعين الاعتبار
الأمور الأخرى التي هي أولى بصرف هذه الأموال فيها بدل صرفها للغذاء لمدة ثلاثة
أيام، يكون هذا الاستحباب في غاية الإشكال.
وسنحاول
التوفيق بين ذلك بما يلي علّنا نجد حلاً لهذا الإشكال.
محاولة
للتوفيق بين ذلك بعدة وجوه
أوّلاً:
أمّا الرواية، فيظهر من خلال تعليق الإيصاء بثمان مائة درهم على رؤيته عليه السلام
إلى أنّ ذلك للسنة لأنّ رسول الله(ص) قال:((اتخذوا لآل جعفر بن أبي طالب طعاماً فقد
شُغِلوا))، يظهر أن الوصية بهذا المبلغ تتعلّق بحادثة آل جعفر(ع)، وحينئذٍ لابدّ أن
نأخذ تلك الحادثة بعين الاعتبار لنعرف ملابسات الحكم، وهناك عرفنا أنه يستحبّ إرسال
الطعام إلى أهل الميت وكراهة الأكل عندهم، وهنا نقول: ماذا يريد الإمام(ع) من
الوصية بهذا المقدار من المال؟، فهل يريد أن يوصي لطعام أهله لأنهم في حزن ومنشغلون
بمأتمه، بأن تكون هذه الوصية بهذا المبلغ مساعدة منه(ع) للجيران أو غيرهم على فعل
الاستحباب ليرسلوا الطعام إلى أهله؟.
أو
أنه يريد أن يوصي بهذا المبلغ لإطعام من يشارك في مأتمه مثل ما هو معروف لدينا هذه
الأيام في مجلس عزاء الفاتحة من صنع الوليمة؟.
أقول:
الذي يظهر هو الرأي الأول، وذلك لتعليل هذه الوصية لمأتمه(ع) بأنها لأجل السنة
المعروفة، والسنة كما تقدم هي استحباب إرسال الطعام إلى أهل الميت وكراهة الأكل
عندهم.
إذن
بعد مراجعة السنة عرفنا، معنى الوصية بهذا المبلغ، وهو أن يصرف لمساعدة الجيران أو
غيرهم ليرسلوا الطعام إلى أهله، وعليه يمكن أن يكون المراد من الفتوى المتقدمة هذا
المعنى أيضاً.
هذا
وقد عرفت أن الشيخ الطوسي(عليه الرحمة) ذهب إلى كراهة الجلوس للتعزية يوماً أو
يومين أو ثلاثة، وأيّده ونصره في هذا الرأي المحقق الحلي(قدس سره) فما بالك
بالأكل؟! فإنه أولى بالترك، ولذا روى الشيخ الصدوق في (الفقيه) عن أبي عبد الله(ع)
أنه أتى قوماً قد أُصيبوا بمصيبة فقال:((جبر الله وهنكم، وأحسن عزاكم، ورحم
متوفّاكم، ثم انصرف)) فهذه الرواية ربّما تناصر الشيخ فيما ذهب إليه من كراهة
الجلوس.
لكن
الجلوس لأجل قراءة القرآن على روح المتوفى، من البعيد أن يكون مكروهاً، لأن قراءة
القرآن مستحبة مؤكدة في نفسها، اللهم إلاّ أن يقال بارتفاع الاستحباب هنا كما في
بيت الخلاء وقراءة ما زاد على السبع آيات في حقّ الجنب.
ثانياً:
يمكن أن نوفق بينهما بأن يوصي الإنسان بمال لمأتمه بحيث لا يكون ذلك حرجيّاً عليه
وعلى نوع المآتم، بحيث يستطيع الكلّ أن يفعل بهذا الأمر، مثل أن تصرف بعض الأموال
على مثل التمر والقهوة والشاي ونحوه مما لا يعجز عنه أغلب الناس.
إلاّ
أنّ هذا التوفيق كما ترى جمعٌ تبرعيٌ، لا يصلح أن يكون مخصصاً أو
مقيدا.
ثالثاً:
أن يُوفّق بينهما بما قال بعضهم: إن مستند هذا الاستحباب هو مسألة استحباب إطعام
الطعام، فإذا أوصى بمال لطعام مأتمه ترتفع الكراهة.
وهذا
القول أيضاً لا يتناسب مع هذه المسألة، بل الأمر بالعكس تماماً، إذ ينبغي أن يقال
إنّ استحباب إطعام الطعام أمرٌ عامٌ فيُخصص، بمعنى أنه في كلّ حالٍ يستحب إطعام
الطعام والأكل عند الآخرين ومعهم إلاّ إذا كانوا أصحاب مصيبة بموت قريب لهم فإنه
يرتفع هذا الاستحباب وتحلّ محلّه الكراهة المستفادة من روايات النهي عن الأكل عند
ذوي المصيبة، لا أن يقال: بأنّ كراهة الأكل عند ذوي الميت مطلقة وتُقيّد بعدم
الإيصاء، فإذا أوصى ترتفع الكراهة، إذ لا شاهد على ذلك عرفاً ولا انصراف في ذلك
أيضاً، لأنه يوجد عندنا أمرٌ بإطعام الطعام، ونهيٌ عن الأكل عند ذوي الميت، وحينئذٍ
يفهم العرف أنّ إطعام الطعام أمر عامٌ والنهي عن الأكل يكون قرينة منفصلة على تقييد
ذلك الأمر العام الذي هو إطعام الطعام.
ولو
سلمنا بأنّ كراهة الأكل عند ذوي المصيبة عامة ومطلقة، فإنّا لا نسلّم أنّ الوصية
تخصصها، لأنّ دليل الكراهة آبٍ عن التخصيص، وذلك لشدة لسانه إذ نسب الأكل عند ذوي
المصيبة إلى عمل الجاهلية، وهذا اللسان كما سلف سابقاً يشير إلى أنّ هذه العادة يجب
أن تحارب
وتقتلع لأنها من عمل الجاهلية وهذا ما يُسَبّب عدم قبول هذا العام
للتخصيص.
فهذا
مثل ما قالوه في قوله تعالى:)وما
كان ربّك بظلام للعبيد(([75][75]).
من
أنّ هذا الدليل وإن كان عاماً ولكنه آبٍ عن التخصيص، فلا يقال:(أنه لا يظلم إلاّ في
هذا المورد) لأنه وإن كان هذا الدليل عاماً وكلّ عامٍ قابل للتخصيص، إلاّ أن هذا
الدليل آبٍ عن التخصيص وذلك لشدّة لسانه.
وبهذا
البيان نستطيع أن نرُدّ سائر الإشكالات الأخرى.
رابعاً:
ولو قيل إنّ الكراهة مستندة لانشغالهم عن مأتم ميّتهم بالطبخ، فلو كان الطبخ لا
يشغلهم عن ميّتهم كأن يوكل أمر الطبخ إلى أحد المطاعم ونحوه، فعندئذٍ ترتفع
الكراهة.
أو
كما استظهر بعضهم بأن الكراهة مستندة إلى الأكل الذي يصنعه أهل المصيبة لا ما يبعث
إليهم.
قلتُ:
الذي يظهر أن الكراهة عامة وشاملة حتى لهذا المورد، فلاحظ رواية (الفقيه) المتقدمة
حيث نسبت الأكل عند أهل المصيبة إلى عمل أهل الجاهلية، ولم تقيده بانشغالهم بالحزن
عليه أو بانشغالهم بالطبخ عن مأتم ميّتهم، كما أن كراهة الأكل عندهم لم تقيد
بالطعام الذي صنعه أهل الميت أو الذي بعث إليهم، بل هي تتكلم عن مفهوم الأكل بما هو
أكل بغض النظر عمن صنعه أو بعثه.
نعم
يظهر أن استحباب إرسال الطعام إليهم إنما هو لانشغالهم بالحزن على ميتهم عن الطبخ،
فلاحظ رواية (المستدرك) المتقدمة حيث قال رسول الله(ص):((اصنعوا لآل جعفر طعاماً،
فقد أتاهم ما يشغلهم أو أمر يشغلهم))، وكذلك الرواية التي عن (فقه الرضا) حيث
تقول:((والسنة في أهل المصيبة أن يتّخذ لهم ثلاثة أيام طعاماً لشغلهم في المصيبة)).
فتجد
من خلال هذه الروايات أن استحباب إرسال الطعام إليهم منوط بانشغالهم
بالمصيبة.
والنتيجة:
يمكن أن يقال بعدم استحباب إرسال الطعام في مثل هذه الحالات التي لا انشغال لهم
فيها عن مأتم ميتهم، لا أن نقول: بأن كراهة الأكل عندهم هي التي ترتفع، فإنها
باقية لأنها من عمل أهل الجاهلية، ولما عرفت من الروايات المتقدمة أن النهي عن
الأكل عند ذوي المصيبة عام وشامل ليس بمقيّد ومخصّص كما أنه غير قابل لذلك لشدة
لسانه.
إلاّ
أن الاحتياط يقتضي خلاف ذلك، لأن أهل الميت عادة ينشغلون بالحزن على ميتهم عن أيّ
شيء آخر، فنتمسك بمثل هذا الانصراف لنفي عدم استحباب إرسال الطعام حتى في مثل هذه
الحالات المتقدمة.
خامساً:
ولو قيل إن الكراهة ترتفع إذا دعاك صاحب المصيبة، وذلك لاستحباب إجابة الدعوة، قال
رسول الله(ص):((وإذا دعاك فأجبه)).
كان
الجواب: هو ما ذكرناه من أن الأكل عند أهل المصيبة من عمل الجاهلية وإنه عام وغير
مقيّد حتى بهذه الحالة، إذ يوجد عندنا أمرٌ عام بإجابة الدعوة، ونهي عن الأكل عند
ذوي الميّت، وعندئذٍ نُقيّد هذا الأمر العام بذلك النهي الذي يُشكّل قرينة منفصلة
على عدم إرادة العموم عن أمرٍ من هذا القبيل.
إفادة
بعض المحققين
مضافاً
لكلِّ ما تقدم هو أن هذه الرواية التي جاء فيها أنّ أبا جعفر(ع) (أوصى بثمان مائة
درهم لمأتمه) مرتبطة بواقعٍ خارجي، حيث إن الإمام(ع) يعلم أنه بعد وفاته ستأتي
الوفود من أماكن بعيدة لتشارك في مأتمه فيحتاجون لمن يقوم بضيافتهم، فأوصى(ع) لهم
بذلك، وتكمن الكراهة حينئذٍ في أكل أهل بلدة الميت، كما أفاد بعض المحققين
الكبار(دامت إفاضاته)بقوله:
أخال
أنّ الرواية كانت تشير إلى قضية خارجية أو واقع خارجي كان معروفاً في القديم
ولاسيّما عند موت عظيم حيث تتوافد الوفود من أماكن نائية فيحتاجون لمن يقوم
بضيافتهم، والمكروه أن يأكل أهل مدينة أو قرية الميّت عند أهل الميت وهو محط نظر
روايات الكراهة، وبهذا لا تنافي بينهما، وعنده لا نحتاج إلى محاولة الجمع
بينهما.
يضاف
إليه أنّ الرواية في الفقيه مرسلة وفي الوسائل عن الكافي ردّد في الراوي عن الإمام
بين زرارة وغيره مما قد يوهن السند.
وآخر
الرواية (وكان يرى ذلك من السنة الخ) من قول الراوي لا الإمام.
فتأمّل(*).
رواية
مساعدة على نقض ما تقدم
جاء
في (المستدرك) رواية عن دعائم الإسلام عن علي(صلوات الله عليه) أنه قال:((لمّا جاء
نعي جعفر قال رسول الله(ص) لأهله: اصنعوا طعاماً، واحملوه إلى أهل جعفر ما كانوا في
شغلهم ذلك، وكلوا معهم فقد أتاهم ما يشغلهم عن أن يصنعوا لأنفسهم))([76][76]).
إذ
من هذه الرواية يمكن أن يستفاد عدم كراهة الأكل مع أهل الميت، إلاّ أنه لم يعتبرها
أحد من الفقهاء، ولم يفتِ بمضمونها أحد من العلماء، وإعراضهم عنها مشعرٌ بتمريضها
وعدم قبولها، وفيها إضافة إلى أنّها مروية عن (دعائم الإسلام)، أنّ الأمر بالأكل
مخصوص بمن يصنع الطعام لذوي الميت، لأنّ الرسول(ص) أمر أهله أن يصنعوا لآل جعفر
طعاماً، وأمرهم بالأكل معهم، وهذه الرواية فقط هي التي صُرّح فيها بأن الرسول أمر
أهله بالأكل مع آل جعفر(ع)، ولو اعتمدت يمكن القول بعدم كراهة الأكل مع ذوي الميّت
بالنسبة للذي يصنع لهم الطعام دون غيره.
ولكن
هذا التخريج أيضاً مخالف للاحتياط لأنّ الروايات الأخرى التي هي معتبرة، لا يوجد
فيها أمر بالأكل حتى بالنسبة للذي يصنع الطعام لهم، والله العالم.
وتنبغي
الإشارة إلى أنّ النهي عن الأكل عند ذوي المصيبة أعمّ من الأكل معهم، فهناك فرق بين
قولك: (أكلتُ عند زيد) وقولك: (أكلتُ مع زيد)، فإن الثاني يعني أنّك أكلتَ بصحبته
وهو جالس معك على المائدة، بينما الأوّل يعني أنّك أكلتَ مما هو قائم عليه ومما
أعدّه وإن لم يكن جالساً معك على السفرة، ومن هذا نستفيد أن كراهة الأكل عند ذوي
المصيبة المأخوذ في لسان الروايات غير مختصّ بحالة الأكل معهم بل تشمل كلّ ما كان
قائماً عليه أهل المصيبة، لأنّ المعبّر به في لسان الروايات هو النهي عن الأكل
عندهم وليس المعبّر هو النهي عن الأكل معهم، وهذا المعنى مفيدٌ لردّ بعض
الإشكالات،فتأمّل.
وأيضاً
روايتان أُخريان
وفي
(الوسائل) عن الصادق(ع) أنه ((أوصى أن يناح عليه سبعة مواسم فأوقف لكل موسم مالاً
ينفق)).
وعن
محمد بن علي بن الحسين قال:((أوصى أبوجعفر(ع) يندب في المواسم عشر
سنين))([77][77]).
ويمكن
أن يعلّق على هاتين بأن الذي يستفاد من الوصية بالنياحة والندبة هو أن المال الذي
أوقف لذلك يعطى للناعي والنائح، ولذلك ذكرت هذه المسألة من حيث الجواز وعدمه في
الفقه، وهناك أفتى الفقهاء بجواز أخذ الأجرة على النياحة بالنظم أو النثر إذا كانت
بالحق دون
الباطل.
والنتيجة
الأخيرة: أنه بعد هذا كله اتّضح أن الأخذ بالفتوى الأولى المذكورة في (العروة
الوثقى) والتي اتفق عليها العلماء وهي كراهة الأكل عند ذوي الميت هي التي يتعيّن
الأخذ بها، والله العالم.
إشكال
على عدم رجحان الإيلام
قيل
أن رسول الله(ص) أولم عند وفاة خديجة وأبي طالب عليهما السلام في عام الحزن.
رد
الإشكال
الأمر
في ذلك سهل حيث أن حادثة آل جعفر بن أبي طالب متأخرة عن حادثة عام الحزن بوفاة
خديجة وأبي طالب عليهما السلام حتماً.
ومادام
الأمر كذلك يمكن أن يقال بحدوث بداء في مثل هذه القضية هذا لو سُلّم تشريع مسبق
باستحباب الإيلام.
والبداء
يعني أن الحكم المشرع والذي نسخ كانت فيه مصلحة محددة والحكم الناسخ أظهر انتهاء
تلك المصلحة، كما في استقبال بيت المقدس لفترة معينة حيث كانت فيه مصلحة وبعدما
انتهت تلك المصلحة حوّلت القبلة إلى البيت الحرام.
بل
ويمكن أن يقال بأن الأمر من موارد التدرج في التشريع وهو يشبه إلى حدٍّ كبير التدرج
في تحريم الخمر من عدم السماح به عند إرادة الصلاة أولاً إلى أن حُرّم كليّاً.
وخير
شاهد على ذلك هو وقوع الإيلام في أوائل البعثة النبوية وبالتحديد في مكة في الوقت
الذي كان فيه الرسول منشغلاً بترتيب أمور العقيد والإيمان بالله ودعوة الناس لشهادة
أن لا إله إلاّ الله لا بفروع الدين والأحكام، ولا يكاد يخفى أن كثيراً من الأحكام
لم تُبين دفعة واحدة بل التشريع امتدّ لفترة طويلة على مدى ثلاثة وعشرين سنة آخرها
التشريع لأمور الحج في حجة الوداع.
والنتيجة
هي أن الإيلام من قبل الرسول(ص) في مصيبة زوجه خديجة وعمه أبي طالب على فرض ثبوت
ذلك هو من الأمور التي صار فيه نسخ وبداء لأنه كانت هناك مصلحة مؤقتة وبانتهائها
نسخ الحكم كما في التوجه إلى بيت المقدس، وكما لا يجوز ولا يصلح لأحد من المسلم أن
يصلي متوجهاً إلى بيت المقدس بعد نسخه كذلك لا ينبغي لأحد أن يولم بعد النهي عنه
ونسبة ذلك إلى عمل أهل الجاهلية والأمر ببعث الطعام لأهل المصيبة.والله العالم.
إشكال
آخر
جاء
في سيرة الإمام الصادق عليه السلام أن ابنه اسماعيل كان أكبر أولاده، وهو ممن جمع
الفضيلة والعقل والعبادة فكان الصادق عليه السلام يحبه حباً شديداً، حتى حسب بعض
الناس أن الإمامة فيه بعد أبيه، فلما مات وكان الصادق عليه السلام عند مرضه حزيناً
عليه، جمع أصحابه وقال لهم: المائدة، وجعل فيها أفخر الأطعمة، وأطيب الألوان ودعاهم
إلى الأكل، وحثهم عليه، ولا يرون للحزن أثراً عليه، وكانوا يحسبون أنه سيجزع ويبكي
ويتأثر ويتألم فسألوه عن ذلك فقال لهم: وما لي لا أكون كما ترون وقد جاء في خبر
أصدق الصادقين أ ني ميت وإياكم)).(روائع من حياة الأئمة عليهم السلام ص122 وهو
ينقله عن كتاب الإمام الصادق للمظفري 1ك 269)
رد
الإشكال
أولاً
نقول في توضيح الإشكال هو أن هذا النقل عن سيرة الإمام الصادق(ع) يوهم أنه عليه
السلام قد صنع الوليمة في مصيبته بابنه اسماعيل حيث جمع أصحابه وقال لهم: المائدة،
وجعل فيها أفخر الأطعمة، وأطيب الألوان ودعاهم إلى الأكل، وحثهم عليه، ولا يرون
للحزن أثراً عليه.
ولكن
بالتأمل في مفردات هذا النقل وبالخصوص في (جمع أصحابه وقال لهم: المائدة) يتضح أن
جمعه عليه السلام لأصحابه لا يتناسب مع أيام المصيبة والعزاء لأن من البديهي أن
الناس وبخصوص الأصحاب يأتون في أيام العزاء من تلقاء أنفسهم لتقديم التعازي وذلك من
حقوق الإخوان بل يراه العرف أكثر من ذلك.
إذن
جمعه عليه السلام لأصحابه ودعوته لهم للمائدة يدل على أن ذلك كان بعد ما انقضت أيام
التعزية ويبدو من هذا النقل أن غايته عليه السلام من هذه الدعوة أن يبعد ما علق
بأذهان أصحابه من حزن على ابنه أيام مرضه.والله العالم.
وليمة
الفاتحة في نظر الشيخ المظاهري
سماحة
الأستاذ الأكبر محبوب الملايين معلم الأخلاق في قم المقدسة ـ عشّ آل محمد سلام الله
على مُشَرِّفتها كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين ـ آية الله الشيخ حسين مظاهري، يعُدّ هذه العادة من
الخرافات التي يجب أن تجتثّ من الجذور، فقد ذكر في كتابه تحت عنوان:
ولائم
من غير حساب
إن
إحدى الأخطاء التي تمارس كلّ يوم هي تلك التي تشتمل على إقامة الوليمة في مراسم
العزاء، فنرى على سبيل المثال فرداً يفكر في القروض التي اقترضها من هذا وذاك
لإجراء وليمة على روح والده الذي توفي حديثاً، وينسى والده بالمرة، وهل أن الطعام
سيكفيهم أولا؟ فيصرف لذلك ((200)) ألف تومان أو((300)) ألف تومان، وقد نسمع بأن
فلاناً باع داره من أجل إقامة وليمة عزاء على روح والده، في الوقت الذي يقول
الإسلام ما مضمونه:((مَن مات أبوه، لا تدعوه يُشعل ناراً لمدة ثلاثة أيام، ولا
تدعوه يجلس في داره، بل اذهبوا به إلى بيوتكم لإطعامه، لأن بقاءه في داره للطعام
مكروه، حتى شرب الشاي في داره مكروه)).
جاءني
قبل بضعة أيام شاب يقول: إن أباه توفي، وإنه قد تمكن من اقتراض ((70)) ألف تومان
لإقامة وليمة العزاء، وأضاف بأنه حاول كثيراً أن لا يسرف ولا يبذّر في الطعام، ليصل
به الأمر إلى اقتراض ((70)) ألف تومان فقط. ولو كان أسرف قليلاً في الطعام لحدثت
الكارثة، وتطلب الأمر إلى اقتراض مبالغ أخرى.
أبوه
يموت، وأول مصيبة تصيبه هي تلك التي يكون فيها مبتلياً بتهيئة الطعام لمدة سبعة
أيام، إنه الجهل بعينه ! إنهم لم يدفنوا الشمندر تحت التراب بعد؟.
هل
تعلمون ماذا يعني هذا المثل؟ إنه يعني، إن ذلك الرجل المسكين يئن من قرضك في قبره،
ويدعو عليك بالشرّ، لأنك صرت تبعاً للخرافات، ولعبة تافهة يديرونها حيثما أرادوا،
ويلعن كلّ من جاء لهذه الوليمة التي تسببت في إزعاج زوجه وابنه وابنته.
إذا
أردت حقاً عمل وليمة، فلا بأس من أن تمعن التفكير في أحوال الفقراء والمساكين،
وتوصل إلى أولئك المستضعفين ما يمكن إيصاله لكي يعمّ الخير عليك وعلى أمواتك.
يقال
إن إحدى النساء كانت تصنع في كل أسبوع طبقاً من الحلوى وترسله بيد ابن لها إلى
المقبرة التي دُفن فيها زوجها من أجل أن يلعق الفقراء والمساكين ما يمكن لعقه من
ذلك الطبق.
استمرت
تلك المرأة على هذه الحال مدة من الزمن، وفي أحد الأيام كان ابنها ذاك يرغب في
تذوّق تلك الحلوى، لأنه لم يذق مثلها منذ زمن بعيد، وما إن سلمته أمّه الطبق ليذهب
به إلى المقبرة، انزوى به بعيداً وتناوله حتى آخره.
وفي
تلك الليلة رأت المرأة في ما يرى النائم أن زوجها يبدو عليه الفرح والسرور وهو يقول
لها: إن أطباق الحلوى التي كنتِ ترسليها إليّ على مدى سنة لم يصلني منها شيء،
باستثناء طبق واحد وصلني ليلة أمس حيث كان لذيذاً جداً.
وبناءً
على ذلك ينبغي القول بأن علينا أن نفكر في أبناء الميت وزوجته ومن كان في منزله،
وإذا ما كنّا نسعى لخير الدنيا والآخرة، فما علينا إلاّ أن نساعد الفقراء والمساكين
والمستضعفين، هذا إذا كان بالإمكان إقامة وليمة يمكن أن يطعم منها، من لم يطعم
الطيّب منذ زمن، بعيداً عن إطعام الأثرياء والأغنياء والشخصيات المعروفة
اجتماعياً.
وليعلم
الجميع أن من الخطأ الفاضح دعوة الناس لوليمة عرس أو عزاء يكون الرز قرضاً من فلان،
والزيت قرضاً من علاّن، واللحم سندفع ثمنه بعد شهرين لتتفاقم القروض فوق بعضها
فتكون سبباً في انفعالاتنا، وإنزعاجاتنا.
وعليه
يجب أن نجتثّ جذور هذه الخرافات من مجتمعاتنا المعاشة، لأن المولى تعالى لا يرضى
بالضرر، ولن يكون الرسول(ص) راضٍ عن مثل هذه الأفعال والأعمال ولا الأئمة الأطهار
من أهل بيت الرسول(ص) ولا الإمام المهدي بقية الله في الأرض([78][78]).

الفصل
الخامس
الولائم
الخيرية
ولائم
العزاء الحسيني
خدمة
أبي عبدالله
المنبر
الحسيني
الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر
كيفية
التعامل مع الأضاحي
الولائم
الخيرية
حثّ
الإسلام على أمور لها دخل في إنعاش الحياة الاجتماعية، منها الولائم الخيرية التي
كان لها دورٌ كبير في إشباع الجائع وإطعام من لا يجد قوته، فحثّ على إطعام الطعام
والتحاضض على إطعام المسكين، والتسبيل والتحبيس وإشعال السراج والمصابيح وتعديل
الطرق وبناء القناطر والجسور ونحوها ووردت نصوص تحثّ على ذلك من قبيل هذه الرواية،
عن أنس قال: قال رسول الله(ص):((من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجاً لم تزل
الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك
السراج))([79][79]).
وكان
السراج في الزمن السابق عبارة عن القناديل والشموع، وفي هذه الأيام تستخدم الشموع
لأغراض متفاوتة، ولكن من الخطأ استخدامها لأجل الحصول على ما وعد به في الرواية كما
يتوهم البعض، إذ إشعال الشمعة ليس له خصوصية بما هوهو، وإنما لأجل أن الإنارة
سابقاً كانت بواسطتها صار من المناسب الإشارة إليها بما هي عنوان ومصداق جلي في ذلك
الزمان، والآن حيث الكهرباء لا يقال بأن من أضاء شمعة له هذه الخصوصية المذكورة في
الرواية
لوضوح أن الغاية من الشمعة هو الحصول على النور ومع وجود المصباح الكهربائي لا
فائدة من الشمعة، هذا كما أنه لا خصوصية في الشمعة ليقال ببقاء الخصوصية
المذكورة.
نعم
يمكن القول بذلك في الأماكن الخالية من الكهرباء.
وبعد
وضوح هذا الأمر نقول: إن الولائم الخيرية كانت تحلّ مشكلة الجوع وتطعم من لم يتذوق
الغذاء الجيد ومن لم يكن له عهد مع بعض أنواع المأكولات كاللحم وغيره، ولهذا صارت
من أهم مصاديق البر وجاء الحثّ عليها في القرآن الكريم والأحاديث والروايات
المقدسة، والتي أشرنا إلى بعضها في الفصل الأول، ومن هذه الولائم الخيرية ولائم
العزاء الحسيني التي اهتم محبو أبي عبد الله الحسين(ع) بها غاية الاهتمام وفي أيام
مخصوصة أيضاً.
والإسلام
دائماً يراعي مصلحة الجميع ويشرع لهم ما فيه خير وصلاح لهم، وما استحباب التسبيل
وبناء القناطر ووقف الدور لسكنى من لا يجد مسكناً إلاّ دليل على ذلك، كما لا يخفى
مدى ما لهذه الأعمال من بعدٍ إنساني، ولأجل أن قوانين الإسلام هي لسلامة الإنسان
ولخدمته، اهتمّ بتوزيع الأموال والثروات وأوجب للفقراء في أموال الأغنياء حقاً
معلوماً (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
وعلى
هذا لابد من مراعاة الأهم فالأهم في جميع ما تقدم، لأنه في زماننا تغيّرت أكثر
الحالات السابقة، فعلينا أن لا نتعامل مع مفاهيم الإسلام بما كان يُتعامل معها في
الزمن السابق بل لابد أن نأخذ قوانينه كما أراد هو أن تكون متفاعلة مع الإنسان مهما
كان نمط حياته، ويجب أن نستوعب مراد ديننا الحنيف على ضوء ما شرّعه هو.
لذا
نرى أن الإسلام شجّع كلَّ مَنْ يستطيع أن يصنع وليمة وحثّه على أية وليمة كانت؛ لأن
أكثر الناس في الزمان السابق كانت تعيش نمطاً من الحياة غير التي نعيشها، فهم لأجل
عدم الإمكانيات والفقر الشديد الموجود سابقاً كانت تمرّ على أغلبهم أسابيع أو شهور
لا يستطيع أن يتذوق ما يريده من الأطعمة مثل اللحم وغيره من المأكولات المختلفة،
والفقر وإن كان لا يزال موجوداً إلاّ أنه بحالة غير التي كانت موجودة سابقاً؛ لأن
الإمكانيات في زماننا متوفرة بشكل أكثر ويستطيع الأغلب مهما كانت حالته أن يستفيد
منها ويأكل ما يريد من أصناف المأكولات.
ولكي
نتعامل مع مفاهيم الإسلام بشكل مناسب لمفاهيمه العالية لابد من تنسيق هذه الولائم
الخيرية في زماننا هذا الذي تغيّرت فيه في الأغلب الغاية من هذه الولائم، إذ أصبحت
الغاية من مثل وليمة العزاء الحسيني هي أخذ البركة بدل أن كانت لإشباع الجائع
وللحضّ على طعام المسكين.
ولائم
العزاء الحسيني
لابدّ
من دراسة هذه الوليمة لتعلقها بما نحن فيه من بحث، ولما يحدث في بعض البلدان من
كيفية التعامل مع هذه الولائم المختصة بأيام أبي عبد الله الحسين(ع) فإنه حدث ويحدث
أن قد تصنع الولائم ولكثرتها وبعد أكل كل من قد حضر لا يوجد لها مصرف سوى أن ترمى
في الأماكن غير المعدة لذلك، فأقول وعلى الله التكلان:
ولائم
العزاء الحسيني من المناسبات العامة التي كانت تلعب دوراً كبيراً في إشباع المعوزين
حتى أن الأغلب كان ينتظرها بشوق ولهفة وهي إحدى المناسبات الكبرى التي كان يستطيع
من خلالها من لا عهد له بالقوت والشبع أن يأكل ما لا يستطيع أن يطعمه في سائر
الأيام.
ولا
أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير الذي قامت به ولائم سيد الشهداء(ع) في رفع هذا
الجانب من الحياة على مرّ العهود الماضية، التي كانت بأمس الحاجة لمثل هذه الولائم
الخيرية.
ولكن
حيث إن الأحوال والأوضاع قد تغيرت، وأضحى الزمان مختلفاً عمّا كان عليه سابقاً إذ حتى الفقير هذه الأيام يستطيع أن يجد
ما يودّ تناوله من أصناف المأكولات وفي كل يوم، فالمناسب هو تنسيق هذه الولائم،
وبالخصوص ولائم العزاء الحسيني التي هي من الكثرة بمكان لو نُسّقت لأطعمت كل أهل
البلاد.
أَ
فهل من المناسب صنع ولائم كثيرة في قرية أو مدينة يكون مآل جُلّها الرمي في
الخرائب؟!
ثم
ألا يوجد لهذه الأموال الموقوفة لمآتمه(ع) مصرف غير أن تطبخ ليكون مآل أكثرها
الرمي؟!
إن
أكثر الناس تتعامل مع وليمة العزاء
الحسيني على أساس أخذ البركة من الأكل منها، وهكذا يتعامل مع سائر الولائم الخيرية
الأخرى كمضيفات الأئمة، فبدل أن كانت تشبع الجائع أصبحت لأخذ البركة، فما هي
البركة؟!
ثم
هل أن من البركة أن تصنع الولائم الكثيرة ليكون آخرها الرمي؟!
إنه
الإسراف بعينه، وأبو عبدالله الحسين(ع) لا يرضى بالإسراف، والبركة معناها: النماء
والزيادة في الخير وتبرّك به أي تيمّن به،([80][80])
ولا شيء من الإسراف بمتيمّن به ولاشيء منه بخير.
فقه
المسألة
إذا
كان هناك وقف لطعام مأتم أبي عبد الله الحسين(ع) يجب صرف الوقف فيما وقف له، ولكن
إذا تعذر الانتفاع به، فإنه يصرف في الجهة الأقرب إلى الجهة المقصودة بالوقف، كما
صرح بذلك علماء الإسلام.
ففي
(منهاج الصالحين): إذا تعذر الانتفاع بالعين الموقوفة لانتفاء الجهة الموقوف عليها
صرفت منافعها فيما هو الأقرب فالأقرب، فإذا كان الوقف وقفاً لإقامة عزاء الحسين
(عليه السلام) في بلد خاص ولم يمكن ذلك صرفت منافعه في إقامة عزائه عليه السلام في
بلد آخر([81][81]).
وغير
خفي أن تعذر الانتفاع به أعم من انتفاء الجهة فقد يكون التعذر لعدم وجود عدد كافٍ
لصرفه عليهم كما هو الحال فيما نحن بصدد مناقشته، والعذر حينئذٍ هو تحقق الإسراف
بصرف هذه الأوقاف بدون حساب.
إذن
لابد من صرف هذه الأوقاف في الجهة المعينة قدر الاستطاعة والزائد المتبقي يصرف فيما
هو الأقرب فالأقرب إلى الجهة المعينة.
وإذا
جمعت أموال لا بعنوان الوقف فإنه يجب أن تصرف في الجهة المقصودة قدر الإمكان وإلاّ
ففي الجهة الأقرب إلى الجهة المقصودة ولا يجوز أن ترجع هذه الأموال على أصحابها
لأنها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معينة فإنها خرجت عن ملك صاحبها كالصدقة
المعوّضة بالقربة إلى الله تعالى فإنهم قالوا: ليس له الرجوع فيها،وهنا أيضاً كذلك.
ففي
(منهاج الصالحين) قال: الأموال التي تجمع لعزاء سيد الشهداء(عليه السلام) من صنف
خاص لإقامة مأتمه أو من أهل بلد لإقامة مأتم فيها أو للأنصار الذين يذهبون في زيارة
الأربعين إلى (كر بلاء) الظاهر أنها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معينة
وليست باقية على ملك مالكها ولا يجوز لمالكها الرجوع فيها، وكذا إذا أفلس لا يجوز
لغرمائه المطالبة بها وإذا تعذر صرفها في الجهة المعينة فالأحوط صرفها فيما هو
الأقرب فالأقرب إلى الجهة الخاصة([82][82]).
ويجب
أن تكون الشروط التي يشترطها الواقف جائزة شرعاً كي يكون الوقف صحيحاً.
فقد
قال في (منهاج الصالحين): الشرائط التي يشترطها الواقف تصح ويجب العمل عليها إذا
كانت مشروعة، فإذا اشترط أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة أولا يؤجر على غير أهل العلم
لا تصح إجارته سنتين ولا على غير أهل العلم([83][83]).
ويجب
أن يصرف المنذر في الجهة المقصودة فإن لم يمكن صرف في مصالح الجهة حتى لو استلزم
ذلك بيعه.
ففي
(منهاج الصالحين) قال: لو نذر أن يجعل دابته أو عبده أو جاريته هدياً لبيت الله
تعالى أو المشاهد، استعملت في مصالح البيت أو المشهد فإن لم يمكن ذلك بيعت وصرف
ثمنها في مصالحه من سراج وفرش وتنظيف وتعمير وغير ذلك([84][84]).
ولو
كان متعلق النذر أن يصرف لما يعود للنبي(ص) ومسجده أو لأحد الأئمة(ع) ومشاهدهم
فالمدار على قصد الناذر وإلاّ صرف على جهة راجعة إلى المنذور له.
ففي
(منهاج الصالحين) قال: لو نذر شيئاً للنبي(ص) أو الولي فالمدار على قصد الناذر
ويرجع في تعيينه مع الشك إلى ظاهر كلام الناذر ولو لم يقصد إلاّ نفس هذا العنوان
يصرف على جهة راجعة إلى المنذور له، كالإنفاق على زواره الفقراء أو الإنفاق على
حرمه الشريف ونحو ذلك ولو نذر شيئاً لمشهد من المشاهد المشرفة صرف في مصارفه فينفق
على عمارته أو إنارته أوفي شراء فراش له وما إلى ذلك من شؤونه([85][85]).
ونحو
هذا ذكر غيره من العلماء الأعلام أعلى الله كلمتهم ورفع درجاتهم
أجمعين.
والوليمة
في الأيام الحسينية ربما يكون لها نحو من الندب ولكن هل هي مستحبة بما هي هي بغض
النظر عن العوارض الخارجية الأخرى أو أنها مع احتياج زوار الحسين(ع) أو القائمين
على مأتمه لها تكون راجحة؟.
أوجه.
والمعنى
الذي نريد التوصل إليه هو هل أن الوليمة لمآتم أبي عبد الله الحسين(ع) مستحبة
استحباباً نفسياً أو استحبابا غيرياً؟.
فإن
كانت مستحبة بما هي هي فينبغي الحثّ عليها، وإن لم تكن كذلك فبمقدار الحاجة.
وأيضاً
من حيث الوقف والنذر يأتي نفس الكلام فهل يستحب الوقف لذلك بما هوهو بغض النظر عن
الأمور الأخرى أولا؟.
حدود
إطلاعي لم أر من يقول بالاستحباب النفسي أو ما يساعد عليه ألاّ ما قد يوهم ذلك وهو
في ثلاث موارد:
أ)
ما ورد من كراهة الصيام في يوم العاشر من المحرم، فربما تكون هذه الولائم فيها
مساعدة على الابتعاد عن عمل المكروه، لكن هذا يصلح للاستحباب الغيري لا النفسي،
والله العالم.
ب)
ما هو مترتب على النذر والوقف ونحوهما من حصول الأثر التكويني لنيل المراد ودفع
البلاء، وهذا كسابقه.
ج)
ما عن محمد بن محمد المفيد قال: وفي العاشر من المحرم قتل الحسين عليه السلام وجاءت
الرواية عن الصادق(ع) باجتناب الملاذ فيه وإقامة سنن المصائب، والإمساك عن الطعام
والشراب إلى أن تزول الشمس، والتغذي بعد ذلك بما يتغذى به أصحاب
المصائب([86][86]).
وفي
هذا الخبر إرشادات جديرة بالإتباع، وهي:
1ـ
يوم عاشوراء يوم مصيبة تقام فيه سنن العزاء من الظهور بمظهر المصاب بفقد حبيب له،
وما أدراك ما يعتري المصاب من حزن وأسى عند فقد عزيز له من اجتناب الملاذ والإمساك
عن الطعام والشراب بل وصدود نفسه عن ذلك.
2ـ
إنّ من الأدب في هذا اليوم اجتناب الملاذ والإمساك عن الطعام والشراب إلى الزوال،
وهذا الأمر مغفول أو متغافل عنه في مجتمعاتنا، إذ في بعض الحسينيات توضع الولائم من
الصباح الباكر.
طبعاً
وإن كان هناك مبرر لذلك وهو كثرة الولائم المنذورة في هذا اليوم لأنه في كل حسينية
توجد مأدبة للطعام, فإن لم توضع من الصباح الباكر فلن تجد لها آكلاً بعد
حين.
وإذ
ينبغي الالتزام بهذا الأدب في اليوم العاشر، يُقترح أن نجد حلاً لكيفية التعامل مع
هذه الولائم المخصوصة لليوم العاشر من المحرم، كي نتحصل على تنفيذ ما هو مطلوب من
الإمساك حتى الزوال، ولكي لا
تضيع هذه الولائم لعدم وجود من يأكلها.
فلماذا
لا تُلغى جميع الخصوصيات الشخصية وتصنع هذه الولائم بشكل جماعي كما حدث لوليمة
النكاح بواسطة الزواج الجماعي، أو أي حل آخر يضمن لنا عدم الوقوع في الإسراف، لأن
مفهوم الإسراف والتبذير واسع ويشمل حتى أدنى الأشياء فضلاً عن الأشياء الثمينة، ففي
حديث داود الرقي عن أبي عبدالله(ع) قال: ((إن القصد يحبه الله عزّوجلّ، وإن السرف
يبغضه حتى طرحك النواة فإنها تصلح لشيء، وحتى صبّك فضل شرابك)).
وعن
الصادق(ع):(( أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء وابتذال ثوب الصون وإلقاء النوى)).
وعن
الكاظم(ع):(( ولكن السرف أن تلبس ثوب صونك في المكان القذر)).
فما
بالك عندما ترمى هذه الولائم المخصوصة بأيام سيد الشهداء(ع) ولا يستفاد منها
الاستفادة المطلوبة، أَ ليس هذا من الإسراف والتبذير؟!
والله
قد نهانا عنهما وقال: )ولا
تسرفوا إنه لا يحب المسرفين( بل وعدّ المبذرين إخواناً للشياطين حيث قال:) ولا تبذر تبذيراً إنّ المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان
لربه كفوراً(.
3ـ
من هذا الخبر يفهم أن أصحاب المصيبة لهم كيفية خاصة في التغذي، لذلك قال (والتغذي
بعد الزوال بما يتغذى به أصحاب المصائب)، وهذا أمر وجداني لأن أصحاب المصيبة عادة
تكون قلوبهم مكسورة فلا يوجد عندهم ميل واشتهاء للأكل إلاّ بمقدار ما يسدّ حاجتهم،
فحري بالتنبه إلى هذا الأمر ووضعه في مآتمنا، لأن بعض حالات الولائم خرجت عن هذا
المعنى وصارت تضاهي الولائم المتّخذة للأفراح والأعراس.
بقي علينا أن ننبه على أنه يجدر بالمؤمنين من محبي أبي عبد الله الحسين(ع) أن يلاحظوا الجهات الأخرى التي يعود نفعه